وهذه استعارة، والمراد أنّ الله سبحانه يشمله بالمذلّة حتّى تضفو [1]
عليه من جهاته، وتلتقي عليه من جنباته، كما يشمل الثوب بدن لابسه، فيكون سادّا لخلله، ومغطّيا لفرجه، ومعنى هذه المذلّة: أن يحقّره سبحانه في القلوب، ويصغّره في العيون.
وَرُبَّمَا زِيدَ فِي هَذَا الْخَبَرِ: «أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ فِي الْآخِرَةِ»
والمذلّة في الآخرة: هي حرمان الثواب، وإنزال العقاب.
(125) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ بِامْرَأَتِهِ يَشْكُو خُلُقَهَا، فَأَخَذَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِرَأْسَيْهِمَا وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَرِّ بَيْنَهُمَا» [2] .
وهذه استعارة، والمراد: اللهم قرّب بينهما، ولائم بين خلقيهما، وذلك مأخوذ من «الأري» وهي الآخيّة [3] التي تربط الدابّة إليها، فكأنّه عليه الصلاة والسلام دعا لهما أن يكونا كالدابّتين على الآريّ في المقاربة والملازمة، وعدم النّفار والمباعدة.
وقد يجوز أن يكون ذلك مأخوذا من قولهم: «أرّيت العقدة» إذا شددتها وأحكمت عقدها، فكأنّه عليه الصلاة والسلام دعا لهما بأن يكون عقد الودّ بينهما، فتكون أخلاقهما متوافقة، وأحوالهما متلافقة.
وقد يجوز أيضا أن يكون ذلك مأخوذا من قولهم: «أرى فلان بالمكان» إذا أقام به، فكأنّه عليه الصلاة والسلام دعا لهما بأن يثبتا على
(1) تضفو: تتّسع وتكثر (لسان العرب: 14/ 485) .
(2) غريب الحديث للهروي 1: 470، الفائق 1: 22، المحيط في اللغة 1: 297.
(3) هي عروة تريط إلى وتد مدقوق وتشدّ فيها الدابّة. المصباح المنير: 8، مادّة (أخ و) .