إخراج الصدقة لشدّة تتبّع النفس لها وكثرة الصوارف عنها ووساوس الشيطان بما يقتضي الامتناع منها، فإذا غلب الإنسان بإخراجها نوازع جنانه ونوازغ شيطانه، كان كأنّه قد افتلّها من أيدي الجاذبين، وفلّ عنها لحى الشياطين.
وإنّما ذكر عليه الصلاة والسلام هذا العدد المخصوص من الشياطين وهو السبعون على طريقة للعرب مشهورة في ذكر ذلك إذا أرادت التكثير. وقد ورد التنزيل بسلوك هذا النهج، والوقوف عند هذا القدر، قال سبحانه: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لََا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللََّهُ لَهُمْ} [1] ، وقال تعالى: {ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهََا سَبْعُونَ ذِرََاعًا فَاسْلُكُوهُ} [2] .
(311) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «يَدُ اللَّهِ مَعَ الْقَاضِي حِينَ يَقْضِي، وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْقَاسِمِ حِينَ يَقْسِمُ» [3] .
وهذا القول مجاز، والمراد أنّ علم الله سبحانه ومعرفته لا يغيبان عن الحاكم إذا حكم، وعن القاسم إذا قسم، فيعلم سبحانه عدل القاضي إذا تحرّى العدل، وظلمه إذا اعتمد الظلم، ولا يخفى عليه حيف القاسم وميله، أو إنصافه وعدله، وذلك كما يقول القائل: «يد فلان مع فلان» إذا كان مشاركا له في ولاية يليها، أو مشارفا له في امور يمضيها.
(1) التوبة (9) : 80.
(2) الحاقة (69) : 32.
(3) مسند أحمد 5: 414، السنن الكبرى 10: 132، مجمع الزوائد 4: 193، كنز العمّال 6: