وهذا القول مجاز وذلك أنّه عليه الصلاة والسلام شبّه ما حرّمه الله تعالى من محارمه ونهى عباده عن تقحّمه، بالحمى [1] الذي يحمى رعيه، ويمنع رعيه [2] ، وشبّه عليه الصلاة والسلام المتعرّض لحرمة من تلك الحرمات بمن هجم في الحمى مقدما، واطّلع فجأة متقحّما، وقد مضى الكلام على نظير هذا الخبر فيما تقدّم من كتابنا هذا.
(281) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ ذَكَرَ فِيهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ:
«نَهَاهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ عَنِ الْمَعَاصِي فَلَمْ يَنْتَهُوا فَجَالَسُوهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ، وَوَاكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ» [3] .
فقوله عليه الصلاة والسلام: «فضرب الله قلوب بعضهم ببعض» استعارة، والمراد ب «الضرب» هاهنا خلط القلوب بعضها ببعض كأنّه تعالى خلطها بأن شهد على جميعها بالضلال، ولم يميّز بين قلوب العلماء والجهّال إذ كان الضلال شاملا لهم، والغواية ضاربة سياجها عليهم.
ومن ذلك قول القائل: «ضربت بعض بني فلان ببعض» إذا ألقى بينهم حربا يختلطون فيها، أو عداوة يتناوشون [4] عليها.
(1) الحمى: موضع فيه كلأ يحمى من الناس أن يرعى، وكان الشريف من العرب في الجاهلية إذا نزل بلدا في عشيرته استعدى كلبا، فحمى لخاصّته مدى عواء الكلب لا يشركه فيه غيره، فلم يرعه معه أحد.
لسان العرب 3: 348، مادّة (ح م ي) .
(2) الرّعي: الكلأ، والرّعي: أكل الكلأ. الصحاح 6: 2358.
(3) مسند أحمد 1: 391، سنن الترمذي 4: 318/ 5038، كنز العمّال 3: 552868، تفسير نور الثقلين 1: 660/ 312مع اختلاف.
(4) يقال: تناوش القوم في القتال إذا تناول بعضهم بعضا بالرماح ولم يتدانوا كلّ التداني. لسان العرب 14: 326، مادّة (ن وش) .