مواطنها، فيكون عقاب هذه المخطورات محبطا لحسناته، ومسقطا لثواب طاعاته على المذهب الذي أشرنا إليه فيما تقدّم، فيصير الحسد الذي هو السبب في استحقاق العقاب وإحباط الثواب، كأنّه يأكل تلك الحسنات لأنّه يذهبها ويفنيها، ويسقط أعيانها ويعفيها.
وإنّما شبّهه عليه الصلاة والسلام في أكله الحسنات بالنار التي تأكل الحطب لأنّ الحسد يجري في قلب الإنسان مجرى النار، لاهتياجه، واتّقاده وإرماضه وإحراقه، ومن هنا قال بعضهم: «ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد نفس يتصعّد، وزفير يتردّد، وحزن يتجدّد [1] .
(182) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي عَهْدٍ كَتَبَهُ لِعُمَّالِهِ عَلَى الْيَمَنِ: «فَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، فِيهِ إِقَامَةُ الْعَدْلِ، وَيَنَابِيعُ الْعِلْمِ، وَرَبِيعُ الْقُلُوبِ» [2] .
وفي هذا الكلام ثلاث استعارات:
أولاهنّ: قوله عليه الصلاة والسلام: «فإنّ هذا القرآن حبل الله المتين» وقد تقدّم كلامنا على نظيرها وبيّنّا لأيّ معنى شبّه القرآن بالحبل الممدود بين الله سبحانه وبين خلقه في أنّه عصمة لمستعصمهم، ومسكة [3] لمستمسكهم.
والاستعارة الثانية: قوله عليه الصلاة والسلام في صفة القرآن:
(1) انظر: عيون الأخبار 2: 9.
(2) سنن الترمذي 5: 159/ 2906، سنن الدارمي 2: 527/ 3331.
(3) المسكة: ما يتمسّك به. أقرب الموارد 2: 1211، مادّة (م س ك) .