(85) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ عِرْقٍ نَعَّارٍ» [1] .
وهذه استعارة، والأصل في ذلك رفع الصوت، يقال: «فلان نعّار في الفتن» أي صيّاح فيها، ودعّاء إليها. وقال بعض التابعين وقد صلّى خلف مصعب بن الزبير وهو رافع صوته بالتكبير والتهليل: «قاتله الله نعّارا بالبدع» [2] أي صيّاحا بها.
فشبّه عليه الصلاة والسلام شفور [3] دم العرق وتواتره بصوت الصائح المنوّه [4] من وجهين: لارتفاع ندائه، ولتكرير دعائه، فجعل العرق نعّارا للعلّة المذكورة على طريق المجاز والاتساع.
وقال بعض أهل اللغة: «يقال: نعر العرق نعرا ونعرانا: إذ اهتزّ بالدم ولم يرقا» [5] فإن كان الأمر على ما قال، فقد خرج الكلام عن باب المجاز إلى حيّز الحقيقة.
(86) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ وَسَدَمَهُ [6]
جَعَلَ اللَّهُ فَقْرًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ» [7] .
(1) مسند أحمد 1: 300، سنن ابن ماجة 2: 1165/ 3526، سنن الترمذي 3: 273/ 2157، مستدرك الحاكم 4: 414، كنز العمّال 7: 135/ 18370.
(2) تاريخ بغداد 13: 105، فوات الوفيات 4: 143، غريب الحديث للحربي 2: 451.
(3) أي شرّة خروجه.
(4) نوّهت بالشيء: رفعته، لسان العرب 13: 550.
(5) أي لم ينقطع. المصباح المنير 236، مادّة (ر ق أ) .
(6) الدمّ: الهمّ، أو الهمّ مع ندم. راجع أحزب الموارد 1: 506، مادّة (س د م) .
(7) سنن الدارمي 1: 96، سنن الترمذي 4: 57/ 2583، كنز العمّال 3: 206/ 6186، مجمع البحرين: