وذكر لي قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبّار بن أحمد عند قراءتي عليه ما قرأته من كتابه الموسوم ب «العمدة في اصول الفقه» : «أنّ هذه العلوم المخصوصة إنّما سمّيت «عقلا» لأنّها تعقل عن فعل المقبّحات وذلك لأنّ العالم بها إذا دعته نفسه إلى ارتكاب شيء من المقبّحات، منعه علمه بقبحه من ارتكابه، والإقدام على طرق بابه، تشبيها بعقال الناقة المانع لها من الشرود، والحائل بينها وبين النهوض، ولهذا المعنى لم يوصف القديم تعالى بأنّه: عاقل، لأنّ هذه العلوم غير حاصلة له، إذ هو عالم بالمعلومات كلّها لذاته. قال: وقيل أيضا: إنّما سمّيت هذه العلوم المخصوصة عقلا لأنّ ما سواها من العلوم يثبت بثباتها، ويستقرّ باستقرارها تشبيها بعقال الناقة الذي به تثبت في مكانها، ولمثل ذلك قيل: معقل الجبل، للمكان الذي يلجأ إليه، ويعتصم به، وله سمّيت
المرأة: عقيلة، وهي التي يمنعها شرف بيتها وكرم أصلها وقوّة حزمها من الإقدام على ما يشينها، والتعرض لما يعيبها، والكلام في تفصيل هذه العلوم وبيان ما لأجله احتيج إلى كلّ واحد منها يطول، وليس هذا الكتاب من مظانّ ذكره، ومواضع شرحه.
(143) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «سَيَحْرِصُونَ بَعْدِي عَلَى الْإِمَارَةِ، فَنِعْمَتِ الْمُرْضِعُ، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمُ» [1] .
وهذه استعارة، كأنّه عليه الصلاة والسلام أقام الإمارة في حلاوة أوائلها ومرارة أواخرها، مقام المرضع التي تحسن الرضاع، وتسيء الفطام، وهذا من أوقع التشبيه، وأحسن التمثيل لأنّ مداخل الإمارة محبوبة، ومخارجها مكروهة لما في المداخل إليها من قضاء الأرب [2] ، وعلوّ الرّتب، ولما في المخارج عنها من طرق السوء، وشمات العدوّ.
(144) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا تُغَالُوا بِمُهُورِ النِّسَاءِ فَإِنَّمَا هِيَ سُقْيَا [3] اللَّهِ سُبْحَانَهُ» [4] .
وهذه استعارة، والمراد إعلامهم أنّ وفاق النساء المنكوحات وكونهنّ على إرادات الأزواج، ليس هو بأن يزاد في مهورتهنّ، ويغالى
(1) مسند أحمد 3: 199/ 9499، و 248/ 9806، سنن النسائي 8: 225، النهاية في غريب الحديث 2:
230، نثر الدر 1: 153.
(2) الحاجة. لسان العرب 1: 208.
(3) السقيا: اسم مصدر، يقال: استسقى وسقى الله عباده الغيث وأسقاهم سقيه.
(4) المستدرك على الصحيحين 2: 193/ 2726: السنن الكبرى للبيهقي 7: 134، النهاية في غريب الحديث 3: 382، كنز العمال 16: 538ح 45799، عن عمر، دعائم الاسلام 2: 221/ 826مع اختلاف.