وهذا الكلام مجاز، والمراد به أنّ من جعل الدنيا همّه، وقرّ عليها باله، وأعرض عن الآخرة بوجهه، وأخرج ذكرها من قلبه، وأقبل على تثمير الأموال، واستضخام الأحوال، عاقبه الله على ذلك: بأن يزيده فقر نفس، وضرع خدّ، فلا تسدّ مفاقره كثرة ما جمع وعدّد، وعظيم ما أثّل [1] وثمّر، فكأنّه يرى الفقر بين عينيه، فهو أبدا خائف من الوقوع فيه، والانتهاء إليه، فلا يزال آكلا لا يشبع، وشاربا لا ينقع [2] ، فمعه حرص الفقراء، وله مال الأغنياء.
وقال عليه الصلاة والسلام: «جعل فقرا بين عينيه» مبالغة في وصفه بتصوّر الفقر فكأنّه قريب منه، وغيره غائب عنه، كما يقول القائل لغيره إذا أراد هذا المعنى: «حاجتك بين عيني» أي هي متصوّرة لي، وغير غائبة عن قلبي.
(87) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي صِفَةٍ شَاءَ ذِكْرَهَا: «فَجَاءَتْ بِهِ كُلُّهُ قَالَبُ لَوْنٍ غَيْرَ وَاحِدٍ أَوِ انين» [3] .
وهذه استعارة، والمراد أنّ ألوانها جاءت متساوية، فكأنّما افرغت في قالب واحد، وهذه من أحسن العبارات عن هذا المعنى، وذلك كما يقول القائل منّا إذا أراد أن يصف قوما متشابهين في الخلق والمناظر، أو في الطبائع والغرائز: «كأنّما طبعوا على سكّة واحدة، أو خلقوا من طينة واحدة» .
(1) أي ما اكتسبه وثمّره. أقرب الموارد 1: 4، مادّة (أث ل) .
(2) أي لا يروى.
(3) النهاية في غريب الحديث 4: 97، في ضمن حديث شعيب وموسى عليه السّلام، مجمع الزوائد 4: 150 و 7: 87، البداية والنهاية 1: 284، وفي نسخة: «فنتجت على قالب» .