الذي يمكّن راكبه، ويطاوع فارسه.
وإنّما جعل عليه الصلاة والسلام الإسلام في الثاني بمنزلة الراكب بعد أن وصفه في الأوّل بصفة المركوب لأنّ الإسلام كالمالك على الإنسان أمره، والمبتاع منه نفسه، فهو يقوده بزمامه، ويصرفه على أحكامه، وكان من هذا الوجه كأنّه راكب لظهره لمّا كان مالكا لأمره.
(289) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ شِبْرًا تَقَرَّبَ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ ذِرَاعًا تَقَرَّبَ إِلَيْهِ بَاعًا [1] ، وَمَنْ أَقْبَلَ إِلَى اللَّهِ مَاشِيًا أَقْبَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مُهَرْوِلًا» [2] .
وهذا القول مجاز، والمراد أنّ من فعل الشيء القليل من البرّ، عوّضه الله الشيء الكثير من الأجر، فجعل عليه الصلاة والسلام التقرّب من استحقاق الثواب كأنّه تقرّب من فاعل الثواب على طريق المجاز والاتّساع، وعلى هذا المعنى يحمل كلّ ما جاء في القرآن والكلام من ذكر التقرّب إلى الله سبحانه لأنّه تعالى جدّه [3] لا يوصف بالقرب من طريق الدنوّ بالمسافة، ولكن من حيث كان قريب الثواب من مستحقّه، وداني الإحسان من راجيه ومؤمّله، فكانت صفة القرب متعلّقة بإحسانه وثوابه، لا بنفسه وذاته.
فأمّا
قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَمَنْ أَقْبَلَ إِلَى اللَّهِ مَاشِيًا أَقْبَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ
(1) الباع: مسافة ما بين الكفّين إذا بسطتهما يمينا وشمالا. المصباح المنير: 66، مادّة (ب وع) .
(2) مسند أحمد 3: 40و 5: 155، مستدرك الحاكم 4: 247، مجمع الزّوائد 10: 196، كنز العمّال 1:
235/ 1179، أمالي المرتضى 2: 6.
(3) أيّ فيضه، وقيل: عظمته. مفردات الرّاغب: 89، مادّة (ج د د) .