«حجر» ومن ذلك قولهم: «حجر الحاكم على فلان» إذا منعه من التصرّف في ماله، فكأنّه ضرب عليه حظارا يحبسه فيه، ويقصر خطوه دونه، فأراد عليه الصلاة والسلام بقوله للأعرابي: «لقد تحجّرت واسعا» تشبيهه بمن ضرب سياجه على قاعة [1] واسعة فحازها، ومنع غيره من المشاركة فيها لأنّه دعا ربّه أن يرحم النبيّ عليه الصلاة والسلام ويرحمه معه خصوصا، وحظر رحمته سبحانه على الناس عموما، وكان ذلك تحجّرا على الرحمة، وسيطرة على النعمة وخلافا لقوله تعالى:
{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [2] .
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ لَمَّا سَمِعَ قَوْلَ الْأَعْرَابِيِّ: «مَنْ هَذَا؟ لَقَدِ احْتَظَرَ وَاسِعًا»
[3] ، والمعنى في اللفظين واحد لأنّ الأوّل مأخوذ من «الحجرة» والثاني مأخوذ من «الحظيرة» وقد يجوز أن يكون المراد: لقد ضيّق أمرا واسعا في الجملة.
وقد يجوز أن يكون لقد وسّع على نفسه، فضيّق على غيره.
(319) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» [4] .
(1) وهي أرض واسعة سهلة مطمئنّة مستوية حرّة لا حزونة فيها ولا ارتفاع ولا انهباط لسان العرب 11: 348، مادّة (ق وع) .
(2) الأعراف (7) : 156.
(3) سنن ابن ماجة 1: 176/ 529، مسند أحمد 4: 312و 2: 419، 536.
(4) مسند أحمد 2: 252، سنن الدارمي 1: 99، 101، صحيح مسلم 8: 71، سنن ابن ماجة 1:
82/ 225، سنن أبي داود 2: 157/ 3643، سنن الترمذي 4: 265/ 4015، مستدرك الحاكم 1:
89، كنز العمّال 1: 544/ 2436، نهج البلاغة 4: 6/ 23.