ألا ترى أنّ الشاعر لمّا جعل هذه النفوس بمنزلة المطايا المذلّلة والظهور المحمّلة، استحسن أن يقول: «رحلناها» مقابلة بين أجزاء اللفظ، وملاحمة بين العجز والصدر، وليس هناك على الحقيقة ظهور تحمل الرجال، وتحمل الأثقال، وإنّما أراد صفة تلك النفوس بالصبر على عضّ البلاء، وعرك الأدواء [1] ، ونوازل القدر، وجواذب الغير [2] .
(316) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي كَلَامٍ كَلَّمَ بِهِ بَعْضَ أَصْحَابِهِ: «لَنْ تَبْرَحُوا مُبْتَلَيْنَ [3] مَا كُنْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، فَإِذَا أَنَا هَلَكْتُ أَقْبَلَتْ إِلَيْكُمُ الدُّنْيَا، وَأَقْبَلْتُمْ إِلَيْهَا، وَاضْطَمَّتْكُمُ [4] الدُّنْيَا اضْطِمَامَ الْوَالِدَةِ وَلَدَهَا» [5] .
وهذه استعارة، والمراد أنّ الدنيا بعده عليه الصلاة والسلام تكثر فوائدها، وتتصل مراغدها، فشبّه نفعها لأهلها بحفاوة الوالدة بولدها إذ كانت ترضعه درّها [6] ، وتمهده حجرها، وتشبل [7] عليه جهدها، وذلك كقولهم: «قد ضمّ فلان فلانا إلى كنفه» يريدون أنّه قد قام بأمره، وأغناه عن غيره.
(317) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا تُعَادُوا الْأَيَّامَ فَتُعَادِيَكُمْ» [8] .
(1) الأدواء: جمع داء. لسان العرب 4: 436، مادّة (د وأ) .
(2) أي الأحداث المغيّرة. راجع أقرب الموارد 2: 895، مادّة (غ ي ر) .
(3) في نسخة ب: «مقبلين» بدل «مبتلين» .
(4) أي ضمّتكم. لسان العرب 8: 89، مادّة (ض م م) .
(5) لم أعثر على مصدره.
(6) أي لبنها.
(7) أي تعطف لسان العرب 7: 22، مادّة (ش ب ل) .
(8) دعائم الإسلام 2: 145/ 512، معاني الأخبار 123/ 1، الخصال 101394، كمال الدين: 383، كفاية الأثر: 287، روضة الواعظين: 392، إعلام الورى: 438، الخرائج والجرائح 1: 413/ 17، مناقب ابن شهر آشوب 1: 265.