وقد حمل بعض العلماء قوله تعالى: {قَوََارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهََا تَقْدِيرًا} [1]
على أنّ المراد به غير الزجاج هاهنا [2] ، و «القارور» : فاعول من استقرار الشيء فيه، فكأنّه قرار للشراب وغيره من المائعات، فيصلح أن يكون للزجاج، ويكون لغير الزجاج.
وأمّا عامّة المفسّرين فيذهبون إلى أنّ تلك الآنية الموصوفة من فضّة ولكنّها تشفّ [3] شفيف القوارير من الزجاج، فهو أعجز لتصويرها وأعجب لتقديرها إذا كانت جامعة للرقّة اللطيفة، والقوّة الحصيفة [4] [5] .
(12) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقَدْ تَذَاكَرَ النَّاسُ عِنْدَهُ أَمْرَ الطَّاعُونِ، وَانْتِشَارَهُ فِي الْأَمْصَارِ وَالْأَرْيَافِ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «فَإِنِّي أَرْجُو أَلَّا يَطْلُعَ إِلَيْنَا نِقَابَهَا» [6] .
يعني: نقاب المدينة، و «النقاب» : جمع نقب، وهو الطريق في الجبل.
وفي هذا الكلام استعارة حسنة لأنّه عليه الصلاة والسلام أقام هذا الداء المسمّى ب «الطاعون» في تغلغله إلى البلاد المنيعة، وذهابه بالأعلاق [7] الكريمة مقام الجيش المغير الذي يوفي على الأنشاز [8] ،
(1) الإنسان (76) : 16.
(2) هداية المسترشدين: 54.
(3) أي ترقّ.
(4) انظر الكشّاف للزمخشري 4: 671، تفسير القرطبي 19: 92.
(5) أي المحكمة.
(6) مسند أحمد 5: 207، مجمع الزوائد 3: 309، كنز العمّال 12: 249: 34900و 14: 139: 38170.
(7) الأعلاق: جمع علق، وهو النفيس.
(8) الأنشاز: جمع النّشز: المتن المرتفع من الأرض. لسان العرب 5: 417، مادّة (ن ش ز) .