فكأنّه عليه الصلاة والسلام أراد بقوله: «لا ترفع عصاك عن أهلك» أي احملهم أبدا على الصلاح والائتلاف، وامنعهم من الفساد والخلاف.
ويقال للرجل إذا كان رقيق السيرة جميل الإيالة [1] : «إنّه لليّن العصا» قال معن بن أوس المزني:
عليه شريب وادع ليّن العصا ... يساجلها جمّاته وتساجله [2]
وقد تكلّمنا على نظير هذا الحديث فيما تقدّم.
(232) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: «كَيْفَ تَصْنَعُ فِي فِتَنٍ تَنْجُمُ مِنْ أَطْرَافِ الْأَرْضِ كَأَنَّهَا صَيَاصِي بَقَرٍ» [3] .
وفي هذا الكلام مجاز على بعض الأقوال: وهو أن يكون المراد تشبيه الفتن الناجمة من أطراف الأرض بنجوم صياصي البقر وهي قرونها، وإنّما سمّيت «صياصي» تشبيها لها بالصياصي التي هي الحصون، فكأنّها تحتمي بقرونها كما تحتمي الرجال بحصونها، فأراد عليه الصلاة والسلام أنّ الفتن تنجم صغارا، ثمّ تعظم وتبدو سحيلا [4] ، ثمّ تبرم كنجوم
(1) أي السياسة. أقرب الموارد 1: 24مادّة (أول) .
(2) الصحاح 6: 2429، عليه: أي على الحوض، الشريب: صاحبك الذي يورد إبله على الحوض معك، يساجلها: يسقي إبله، جمّاته: معظم مائه، وتساجله: تشرب الماء، وقد جعل شربها للماء مساجلة، وأصلها أن يستسقي ساقيان فيخرج كلّ منهما في سمله أي الدلو الضخمة مثل ما يخرج الآخر من الماء، فأيّهما نكل فقد غلب.
(3) مجمع الزوائد 7: 225النهاية في غريب الحديث 3: 67، وفيه: أنّه ذكر فتنة تكون في أقطار الأرض كأنّها صياصي البقر، مسند أحمد 4: 109مع اختلاف.
(4) السحيل: الحبل المبرم على طاق، والمرير: المبرم على طاقين. ومراد من السحيل الفتنة قبل اختلاطها بالفتن الأخرى.