وهذا القول مجاز لأنّ الأيّام على الحقيقة لا يصحّ أن تعادي ولا تعادى، وإنّما المراد لا تخصّوا بعض الأيّام بالكراهيّة له، والتطيّر به، فربّما اتفق عليكم فيه من طوارق القدر وبوائق الغير، ما يقوّي في ظنونكم أنّه يختصّ ذلك اليوم دون غيره من الأيّام، وليس كما ظننتم لأنّ الأيّام تمضي في ذلك على عاداتها، وتجري إلى غاياتها، فتكونون كأنّكم قد عاديتم ذلك اليوم باستشعاركم وصول الضرر إليكم منه، ويكون ذلك اليوم كأنّه قد عاداكم باتّفاق المضرّة عليكم فيه، وخرج القول مخرج المجاز والاتساع، ومناديح [1] الكلام.
{بِسْمِ اللََّهِ الرَّحْمََنِ الرَّحِيمِ} *
(318) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقَدْ سَمِعَ أَعْرَابِيًّا يَقُولُ فِي مَسْجِدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِعَقِبِ صَلَاةٍ صَلَّاهَا: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا» [2] .
وهذه استعارة، وأصل «التحجّر» أن يختطّ الإنسان خطّة، ويضرب عليها سياجا ليحوزها به، ويعلم أنّها في قبضته، ومنه «الحجرة» وهو البيت المضروب، وجعلت بعد ذلك اسما لبناء مخصوص، وجمعها
(1) المناديح: جمع مندوحة، وهي السعة والفسحة. راجع المصباح المنير: 597، مادّة (ن د ح) .
(2) سنن النسائي 3: 14، مسند أحمد 2: 239و 283، سنن أبي داود 1: 94/ 380، 202/ 882، سنن الترمذي 1: 99/ 147، السنن الكبرى 2: 428، كنز العمّال 2: 628/ 4936.