فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 387

المولّي، والآخرة بمنزلة الطالب المجلّي [1] ، وذلك من أحسن التمثيلات، وأوقع التشبيهات لأنّ أبناء الدنيا بمثابة الهاربين من علائق الحمام [2] ، وبوائق [3] الأيّام، والموت الذي هو من أسباب الآخرة بمنزلة المغير على الأرواح، والهاجم على الآجال، وهذه الصفة مستمرّة للدنيا في شبابها قبل أن تهرم، وفي ابتداء مدّتها قبل أن تتصرّم لأنّ كون الموت طالبا لأهلها ومبدّدا لشملها، معلوم من أوّل إنشائها، وتصوير أبنائها.

وقد يجوز أن يكون المراد ب «ارتحال الدنيا مدبرة» معنى آخر يختصّ بحال الدنيا في أواخر مدّتها، وعند تناهي غايتها وهو أن توصف بتصرّم الأمد، ونقصان العدد، كما يقول القائل: «قد ارتحل عمر فلان» وقد أدبرت مدّة فلان» إذا مضى عنفوان أيّامه، وقربت أوقات حمامه.

ويروى هذا الكلام على تغيير في ألفاظه لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام وقد أوردناه في كتابنا الموسوم ب «نهج البلاغة» [4] ، وهو المشتمل على مختار كلامه عليه السّلام في جميع المعاني والأغراض، والأجناس والأعراض.

(158) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الِاحْتِبَاءُ حِيطَانُ الْعَرَبِ،

(1) يقال: جلى الصّقر ببصره إلى الصّيد فهو مجل. راجع أقرب الموارد 1: 135، مادّة (ج ل و) .

(2) العلائق: جمع علاقة، وهي ما يتعلّق به أو المنية، والحمّام: الموت.

(3) البوائق: جمع بائقة، وهي الدّاهية. أقرب الموارد 1: 68، مادّة (ب وق) .

(4) نهج البلاغة (عبده) : 224الخطبة 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت