والاستعارة الاخرى: قوله عليه الصلاة والسلام: «ما لم يعمل يومئذ عملا يقهرهنّ» والمراد: ما لم يعمل من الأعمال السيّئة في يومه ما يغلب إثمه أجر هذه الكلمات إذا قالها على الوجه المحدود فيها، وينبغي أن يكون المراد بذلك الذنوب الصغائر، دون الذنوب الكبائر لأنّ عقاب الكبيرة يعظم، فيكون كالقاهر لتلك الحسنات التي ذكرها، والدرجات التي أشار إليها.
ولمّا أقام عليه الصلاة والسلام تلك الكلمات مقام السلاح لقائلها، جعل ما في مقابلتها من إثم مولغ، وذنب موبق بمنزلة القاهر لها والثالم فيها ملامحة بين صفحات الألفاظ، ومزاوجة بين فوائد الكلام، وهذا موضع المجاز الثاني الذي أفضنا في ذكره، وكشفنا عن سرّه.
(314) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: لَمَّا أَمَرَ بِرَجْمِ الْيَهُودِيِّ الَّذِي زَنَا بَعْدَ أَنْ وَافَقَ الْيَهُودُ عَلَى أَنَّ حَدَّ الزَّانِي الْمُحْصَنِ عِنْدَهُمْ الرَّجْمُ دُونَ الْجَلْدِ، وَكَانُوا أَنْكَرُوا ذَلِكَ، ثُمَّ أَقَرُّوا بِهِ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ» [1] .
وهذه استعارة، والمراد: أنّي أوّل من أظهر أمرك إذ ستروه، وأذاعه إذ كتموه، فأقام عليه الصلاة والسلام الإظهار مقام الإحياء، والإخفاء مقام الإماتة لأنّ الحيّ ظاهر منتشر، والميّت خاف مستتر، وقد مضى الكلام على نظير هذا الخبر فيما تقدّم من هذا الكلام.
(315) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيمَا رَوَاهُ شَدَّادُ بْنُ الْهَادِ قَالَ: سَجَدَ
(1) صحيح مسلم 5: 123، سنن أبي داود 4: 154/ 4448، سنن ابن ماجة 8552: 2558.