وقال الأعشى:
متى تدعهم للقاء الحروب ... أتتك خيول لهم غير جمّ [1]
أي قد أشرع فوارسها الرماح، فهي كالكباش إذا نهّدت [2] للكفاح، وسدّدت قرونها للنطاح، وقد جاء في كلامهم: «الرماح قرون الخيل» .
ومثل ذلك
الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ: «سَتَكُونُ فِتْنَةٌ كَأَنَّهَا صَيَاصِي بَقَرٍ»
[3] ، و «الصياصي» هاهنا: القرون، قيل: «إنّما شبّهها عليه الصلاة والسلام بقرون البقر لكثرة ما يشرع فيها من الرماح» .
(67) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا يَزَالُ الْعَبْدُ خَفِيفًا مُعْنِقًا بِذَنْبِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا فَإِذَا أَصَابَ دَمًا بَلَّحَ» [4] .
وهذا مجاز لأنّه عليه الصلاة والسلام شبّه المذنب غير القاتل بحامل الحمل، إلّا أنّ فيه بعض الخفّة، فهو يعنق به أي يسرع من تحته، فإذا أصاب دما ثقل ذلك العبء حتّى يبلح منه، و «التبليح» : الإعياء، مأخوذ من بلوح الشيء، وهو انقطاعه، فكأنّ منّته [5] قد نفدت، وقوّته قد انقطعت.
وإنّما قال عليه الصلاة والسلام ذلك تغليظا لأمر الدم ليقلّ الإقدام
(1) ديوان الأعشى: 41، الأغاني 9: 108، الصحاح 5: 1891، لسان العرب 12: 108، وفي الأخيرين: لقراع الكماة تأتك خيل.
(2) أي برّزت واسرع بها. راجع أقرب الموارد 2: 1351، مادّة (ن هـ د) .
(3) مسند أحمد 4: 109، النهاية في غريب الحديث 3: 67، لسان العرب 7: 52.
(4) سنن أبي داود 2: 307، وفيه: «لا يزال المؤمن معنقا» ، السنن الكبرى 8: 22، كنز العمّال 15:
24/ 39908، الدرّ المنثور 2: 199.
(5) المنّة والقوّة سيّان. راجع المصباح المنير: 581، مادّة (م ن ن) .