وقوله عليه الصلاة والسلام: «طفّ الصّاع لم تملؤوه» من العبارات العجيبة عن هذا المعنى، يريد أنّ كلّكم قاصر عن غاية الكمال تشبيها بطفّ المكيال: وهو أن يقارب الامتلاء من غير أن يمتلىء، يقال: «طفّ المكيال وطفافه» إذا اريد به هذا المعنى، وهو ضدّ «الطلاع» و «الطفاح» لأنّ هاتين اللفظتين يعبّر بهما عن بلوغ غاية الامتلاء، واللفظة الأولى يعبّر بها عن الوقوف دون حدّ الامتلاء، ويقال: «إناء طفّان» إذا بلغ الماء أكثره ولم يبلغ غايته.
ولو قال عليه الصلاة والسلام: «أنتم بنو آدم كطفّ الصاع» خرج الكلام عن أن يكون مستعارا لأنّ دخول كاف التشبيه في الكلام يخرجه عن باب المجاز، مثل قوله عليه الصلاة والسلام في حديث: «خرجت حين بزغ القمر كأنّه فلق جفنة [1] » [2] ، ومثل
قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثٍ: «فَإِنَّ السَّاعَةَ كَالْحَامِلِ الْمُتِمِّ الَّتِي لَا يَدْرِي أَهْلُهَا مَتَى تَفْجَؤُهُمْ بِوَلَادِهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا»
[3] ، ولو قال: «والقمر فلق جفنة» و «الساعة حامل متمّ» كان الكلام من حيّز الاستعارة.
ومن هذا القبيل
قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْمُؤْمِنُونَ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ
(1) الجفنة: أعظم ما تكون من القصاع، وفلق الجفنة: نصفها. لسان العرب 2: 310، مادّة (ج ف ن) .
و10: 320، مادّة (ف ل ق) .
(2) مسند أحمد 1: 101، مجمع الزّوائد 3: 174، كنز العمّال 8: 634/ 24488.
(3) مسند أحمد 1: 375، مستدرك الحاكم 2: 384و 4: 546، كنز العمّال 14: 193/ 38339، الدّرّ المنثور 4: 152.