الأعشاب [1] ، فكأنّهم بتمكينها من ذلك أعطوها أسنانها. وهذا كما يقول القائل لغيره: «أعط الفرس عنانها» و «أعط الراحلة زمامها» أي مكّنها من التوسّع في الجري، ومدّ العنق في الخطو.
وعندي في ذلك وجه آخر: وهو أن يكون المراد: مكّنوا الرّكاب في الخصب من أن تسمن بكثرة الرعي [2] لأنّهم قد عبّروا في أشعارهم عن سمن الإبل وبدنها ب «السلاح» تارة، وب «الأسنّة» تارة، قال الشاعر:
ولا تأخذ الكوم الجلاد سلاحها ... له عند صرّات الشّتاء الصّنابر [3]
أي لم يمنعه سمن إبله وشارتها [4] في عينه من أن ينحرها لأضيافه، ويبذلها لطرّاقه [5] ، فجعل السمن لها كالسلاح الذي تدافع به عن نحرها، وتماطل به عن عقرها.
وقد قال الآخر في مثل ذلك ويعني الإبل:
خايلت فيها ولم تأخذ أسنّتها [6]
ومن أبيات لإياس بن سلم الأسلمي يمدح بها النبيّ عليه الصلاة والسلام:
(1) أي اختيار ما يصلح منها، وكأنّ الإبل تمشّط الأعشاب فتختار منها ملائمها.
(2) في نسخة ب زيادة: والاستكبار من المرعى.
(3) الأغاني 11: 226، أمالي المرتضى 4: 32، وفيه: لتوبة في قرّ الشتاء الصنابر، الكوم: القطعة من الإبل، الجلاد: الغزيرات اللبن، الحرّات، جمع صرّة وهي شدّة البرد، الصنابر: الشديدة.
(4) أي حسنها وجمالها. أقرب الموارد 1: 620، مادّة (ش ور) .
(5) الطرّاق: جمع طارق، وهو الآتي ليلا. أقرب الموارد 1: 704، مادّة (ط ر ق) .
(6) خايلت: باريت، الأسنّة: جمع سنان، وهو هصل الرمح، ومراده من عدم أخذ الإبل لأسنّتها: ضعفها وعدم سمنها.