بلادهم، ويغتنمون أموالهم، فكأنّهم لهذه الأحوال يأكلونهم، وخرج هذا القول على طريقة للعرب معروفة لأنّهم يقولون: «أكل فلان جاره» إذا عدا عليه فانتهك حرمته، واصطفى حرّيته، وعلى ذلك قول علقمة بن عقيل بن علّفة لأبيه في أبيات:
أكلت بنيك أكل الضّبّ حتّى ... وجدت مرارة الكلا الوبيل [1]
ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في غزوة الحديبية: «ويح قريش لقد أكلتهم الحرب!!» [2] ، يريد أنّها قد أفنت رجالهم، وانتهبت أموالهم، فكانت من هذا الوجه كأنّها آكلة لهم، قال ذلك عليه الصلاة والسلام في حديث طويل.
والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام: «تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد» أنّ أهلها يتمحّصون فينتفي عنها الأشرار، ويبقى فيها الأخيار، ويفارقها الأخلاط والأوشاب [3] ، ولا يصبر عليها إلّا الصميم واللباب، فتكون بمنزلة الكير الذي ينفي الأخباث والأدران [4] ، ويخلّص المصاص والنّضار [5] ، وهذا أيضا مجاز ثان.
(1) كتاب الحيوان للجاحظ 6: 49، الضبّ: حيوان يشبه فرخ التمساح الصغير، ولا يجوز أكله عند الطائفة المحقّة، وعند الحنفيّة أيضا، بينما أحلّته الشافعيّة والمالكيّة والحنابلة، والكلأ الوبيل: عسب يخاف سوء عاقبته لرداءته.
(2) مسند أحمد 4: 323، كنز العمّال 4: 439/ 11307، نثر الدر 1: 237.
(3) الأوشاب: جمع وشب، وهم الأوباش من الناس والأخلاط. أقرب الموارد 2: 1453، مادّة (وش ب) .
(4) الأدران: جمع درن، وهو الوسخ. الصحاح 5: 2115، النهاية في غريب الحديث 2: 115.
(5) أي الخالص. أقرب الموارد 2: 1218، مادّة (م ص ص) و 1311، مادّة (ن ض ر) .