وفي هذا الكلام مجاز، والمراد ب «الطائر» هاهنا: الأمر الذي يتطيّر به، ومنه قوله تعالى: {وَكُلَّ إِنسََانٍ أَلْزَمْنََاهُ طََائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [1] يريد ما يتطيّر منه ويخاف وقوعه به من جزاء أعماله السيّئة، وأوزاره المثقلة، وذلك مأخوذ من زجر الطير [2] على مذاهب العرب وكانوا يتيمّنون بأيامنها ويتشاءمون بأشائمها، وعلى ذلك قول الشاعر:
ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم
فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم [3]
و «الواق» بكسر القاف الصّرد [4] ، كأنّهم سمّوه بحكاية صوته [5] .
قال الشاعر:
ولست بهيّاب إذا شدّ رحله ... يقول: عداني اليوم واق وحاتم [6]
و «الحاتم» الغراب.
فكأنّه عليه الصلاة والسلام جعل رؤيا الإنسان التي يتروّع لها ويخاف ضررها بمنزلة الشيء الذي يتطيّر به، وقد يجوز أن يكون، ويجوز ألّا يكون، فإذا عبّرها فعبّرت له على ما يكره وقع متوقّعها، وخلص للشرّ مجوزها.
(1) الإسراء (17) : 13.
(2) يقال: زجر الطائر تفاءل به وتطيّر، فنهاه ونهره، وهو أن تزجر طائرا فتتفاءل به إن مرّ من مياسرك إلى ميامنك، وتتشاءم به إن مرّ عن ميامنك فولّاك مياسره. راجع لسان العرب 6: 21، مادّة (ز ج ر) .
(3) الصحاح 5: 1893و 6: 2220، لسان العرب 12: 113.
(4) وهو طائر أكبر من العصفور. لسان العرب 7: 320، مادّة (ص ر د) .
(5) أي أنّ واق أو الواق حكاية صوت هذا الطائر. راجع لسان العرب 15: 381، مادّة (وق ي) .
(6) الصحاح 5: 1893، 1909و 6: 2528، العين 5: 239، وفيه: عذابي بدل عداني، عداني: صرفني عمّا كنت قد أزمعت عليه.