وقال غيره: «بل هو لحم باطن الفخذ» وهما حاذا الفخذين، وقد جاء في كلامهم: «خفيف الحاذين» وقد استعملوا ذلك في الإنسان أيضا، قال الشاعر:
سيكفيك الحمالة [1] مستميت ... خفيف الحاذ من أبناء جرم [2]
وقال بعضهم: «بل هو طريقة المتن [3] من الإنسان، والموضع الذي يسمّى: الحال من الفرس، وهو ما وقع عليه اللّبد [4] من ظهره» .
والقولان الأوّلان أعجب إليّ لأنّه عليه الصلاة والسلام كنّى بخفّة الحاذ هاهنا عن قلّة المال، أو قلّة العيال.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغْبِطُونَ الرَّجُلَ بِخِفَّةِ الْحَاذِ كَمَا يَغْبِطُونَهُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ» [5] .
لأنّ الخفيف الحاذ إذا كان على ما ذكر أوّلا في الوجهين الأوّلين من قلّة لحم باطني أو ظاهري الفخذين كان ذلك أسرع لخطوه، وأخفّ لعدوه لأنّ الدنيا بمنزلة المضمار [6] ، والناس فيها بمنزلة الخيل المجراة،
(1) في اللسان والمقاتل: الجعالة. والحمالة: الكفالة، والمستميت، الشجاع الطالب للموت.
(2) لسان العرب 11: 111، مقاتل الطالبيين: 167.
(3) أي الظهر.
(4) لبد الفرس: ما يوضع على ظهره تحت السرج.
(5) النهاية في غريب الحديث 1: 457، وفيه: «كما يغبط أبو العشرة» مجمع الزوائد 7: 282، كنز العمّال 11: 186: 31150.
(6) المضمار: الموضع الذي تربط فيه الخيل، فيكثر ماؤها وعلفها حتّى تسمن، ثمّ يقلّل ماؤها وعلفها مدّة وتركّض في الميدان حتّى تهزل. ومدّة التضمير عند العرب أربعون يوما.