اعلم أن معرفة علل الحديث من أجل علوم الحديث وأدقها وأشرفها، وإنما يضطلع (1) بذلك أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب ؛ وهي عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه .
فالحديث المعلل: هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها .
ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات: الجامع شرط الصحه من حيت الظاهر ) .
فقيَّد ابن الصلاح (العلة) في الاصطلاح بقيدي الخفاء والقدح، مع أن ابن الصلاح نفسه يعلم أن اصطلاح المحدثين أوسع من ذلك ، فقد قال هو (ص84) في آخر هذا الموضوع: (ثم اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث(2) ، المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به، على ما هو مقتضى لفظ (العلة) في الأصل ؛ ولذلك تجد في كتب علل الحديث الكثيرَ من الجَرح بالكذب والغفلة وسوء الحفظ ونحو ذلك من أنواع الجرح؛ وسمى الترمذي النسخ علة من علل الحديث (3) ؛ ثم إن بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف، نحو إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط حتى قال: من أقسام الصحيح ما هو صحيح معلول، كما قال بعضهم: من الصحيح ما هو صحيح شاذ).
(1) قال الدكتور نور الدين عتر: (مأخوذ من التضلع ، وهو أن يمتلئ الإنسان من شرب الماء حتى يبلغ أضلاعَه ، والمراد الامتلاء من هذا العلم) ؛ كذا قال ، والأقرب أنه هنا من قولهم (ضلعَ) : أي قوي واشتدت أضلاعه ؛ فاضطلع للأمر وعليه وبه: قوي عليه ونهض به .
نعم ، هذا المعنى فرعٌ عن المعنى الذي ذكره ، فالامتلاء من العلم قوة فيه .
(2) يريد بالباقي الأسباب غير الخفية.
(3) هكذا قيل، والظاهر أرى أن الترمذي إنما أراد بتسمية النسخ علةً كونَه علةً مانعةً من العمل بالحديث؛ فهو علةٌ عملية فقهية وليس علةً علمية حديثية نقدية؛ والله أعلم.