فإن قيل: فلِمَ لا يُقبل منه هذا التوثيق كما يُقبل منه انفراده بتوثيق من يسميه من الرواة سواء كان ذلك التوثيق في أثناء الرواية كأن يقول: حدثني فلان وهو ثقة، أو خارجها كأن يُسأل عن راو فيقول: إنه ثقة؟
فالجواب أن الذي نقبله منه إنما هو التوثيق الذي لا يخالفه فيه من هو فوقه أو مثله في هذا الفن؛ وأما هنا فلم نتحقق انفراده بتوثيق هذا الشيخ المبهم، فلذلك لم نأمن أنه يخالفه في هذا التوثيق من تضره مخالفته؛ أي أنه يحتمل - احتمالًا معتبرًا - أنه لو سَمّى من وثقه لوجدنا أنه يخالفه في ذلك الحكم من هو فوقه أو مثله فيضعّف ذلك الشيخ الموثَّق أو يليّنه ، فيترجح أنه واهم في ذلك التوثيق؛ ولذا توقف النقاد عن قبول هذا النوع من التوثيق أعني توثيق الشيخ المبهم (1) .
ولكن أرى أن يُستثنى من هذا التقرير من كان من كبار أئمة النقد المتثبتين ، في معرض سَوقهم الحديث للاحتجاج به، من أمثال مالك وأحمد والبخاري.
انظر (حدثني الثقة) .
حدثني من أثق به:
انظر (حدثني الثقة) .
(1) تنبيه: ليس في قول الراوي الثقة (حدثني الثقة) من غير أن يسميه تدليسًا من نوع تدليس الأسماء أو غيرِه ، فالتدليس مداره على أمر مخصوص وهو إخفاء العيب ولو إلى حين، أو ولو على بعض السامعين للحديث؛ وهذا المعنى ليس موجودًا في صنيع من يقول من الرواة العلماء الثقات: (حدثني الثقة) ، لأنه لا يوهم خلاف ما يعلمه هو، أعني: لا يوهم توثيق من يَعلم هو أنه غير ثقة، ولا من لا يَعلم أنه ثقة ، وإنما هو مصرِّح بتوثيق من يَعلم أنه ثقة؛ فهو ثقة عنده سواء وافقه العلماء على توثيقه أم خالفوه، أم سكتوا عنه؛ فأي تدليس في هذا الصنيع ؟!
وهذا بخلاف صنيع المدلس فإنه يوهم الاتصال في شيء يعلم أنه منقطع .
وبهذا يستبينُ الفرقُ بين المسلكين، مسلك من يوهم الاتصال بخلاف ما هو واقع، ومسلك من يصرح بالتوثيق بمقتضى ما قد علمه هو.