وأما المشتغل بعلم الحديث فإن كان راويًا بالمعنى أو قائمًا بطبع شيء من كتب الحديث وتحقيقها فلا بد له من معرفة هذا الفن ، وأما إن كان ناقدًا فلا بد له منه أيضًا ، لأنه يعينه على معرفة ما يقع في الأحاديث من الشذوذ والنكارة وسائر أنواع الاختلاف بين المتون ، وبدونه لا يتمكن من الجمع أو الموازنة بين متون الروايات إذا اختلفت (1) .
وقد ألف العلماء في هذا الفن عشرات من الكتب ، وجملة منها انتشرت واشتهرت ، فلا أرى الإطالة بذكرها أو ذكر أهمها ولا سيما أن ذلك خارج عن موضوع الكتاب .
ثم إن شرح الكلمات الغريبة الواردة في الأحاديث المشروحة هو من أهم مقاصد كتب شروح الحديث ، على كثرة مقاصدها وتنوع تلك المقاصد.
يستعمل بعض المحدثين هذه العبارة في وصف بعض مروياتهم ، وقد يتبادر أن هذا التعبير فيه نوع من التثبت ، أعني قد يتبادر أن ذلك المحدث غير جازم بغرابة تلك الطريق ، لأنه قد يكون عند غيره من طرق الأحاديث ما ليس عنده .
ولكن هذا ليس هو المعنى الوحيد لهذه العبارة ، بل قد يكون معناها أحيانًا أن ذلك الحديث ورد من طرق أخرى ولكنها لشدة وهائها لا تستحق الكتابة ؟
غير أن هذا المعنى الثاني قد يُعدُّ بعيدًا إذا كان قائل العبارة المذكورة مثل أبي نعيم الأصبهاني ذلك الحافظ المعروف بتساهله في الكتابة ، حتى إنه ليكاد يكتب عن كل أحد ، وقريبٌ من ذلك شأنه في الأداء .
(1) وأما قولهم (الشرح فرع الثبوت) فمعناه: لا يشرح الحديث غير الثابت فلا حاجة إلى شرح الأحاديث الموضوعة والباطلة ، وأما الأحاديث الضعيفة أو التي هي قيد الدرس والنقد فقد تقوم الحاجة إلى شرحها ليتبين من ذلك حالها من حيث النكارة والشذوذ وعدمهما .