هو أن يروي المحدث حديثًا في كتابٍ صنفه ، ولكنه لا يرويه تامًا ، بل يروي كل قطعة منه في شيء من أبواب ذلك الكتاب، وقد يرويه في بعض تلك المواضع تامًّا ، وممن اشتهر من الأئمة بكثرة تقطيع الأحاديث وتوزيع قطعها على الأبواب العلمية التي تناسبها: الإمام البخاري رحمه الله تعالى ، في (صحيحه) ؛ فهو يذهب إلى جواز تقطيع الحديث إذا كان ما يفصله منه لا يتعلق بما قبله ولا بما بعده تعلقًا يفضي إلى فساد المعنى .
فإن قيل: ما نوع العلاقة بين تقطيع الحديث واختصاره ؟ فالجواب أن الاختصار هنا أعم من التقطيع، فكل تقطيع اختصار، وليس كل اختصار يكون تقطيعًا، أعني أن البخاري قد يروي في موضع من كتابه قطعة من حديثٍ معينٍ مقتصرًا عليها ، فهذا اختصار منه للحديث في هذا الموضع ، مع أنه روى في موضع أو مواضع أخرى من كتابه ذلك الحديثَ بتمامه أو بقيته .
وأما الاختصار فيحصل بطرق أخرى فضلًا عن حصوله بطريقة التقطيع هذه أيضًا ، مثل أن يختصر معنى الحديث أي يجْمله .
والاختصار في الحقيقة نوعان: نوع في السند، وذلك بحذفه كله أو حذف بعضه ، إما من أوله ، وهو التعليق، أو التدليس، أو من وسطه ، وهو الانقطاع ، أو تدليس التسوية، أو من آخره وهو الإرسال، وكل هذه الأنواع هي في الحقيقة إرسال للحديث، بحسب اصطلاح المتقدمين .
والنوع الثاني في المتن ، ويحصل - كما تقدم - بالاقتصار على قطعة منه ، أو بحذف تفاصيله وجعله مجملًا .
قال ابن حجر في (فتح الباري) (1/84) عقب مسألة شرحها: (وننبه هنا على فائدتين:
إحداهما: أن البخاري يذهب إلى جواز تقطيع الحديث إذا كان ما يفصله منه لا يتعلق بما قبله ولا بما بعده تعلقا يفضي إلى فساد المعنى فصنيعه كذلك يوهم من لا يحفظ الحديث أن المختصر غير التام لا سيما إذا كان ابتداء المختصر من أثناء التام .