ولم أذكر هذه اللفظة على أنها لفظةٌ اصطلاحية ، فإني لا أعلم لها معنى اصطلاحيًا ، سوى ما ورد في ما رواه العقيلي في (الضعفاء) في ترجمة (جلد بن أيوب) (1/222) (252) عن أحمد بن شبويه قال: سمعت ابن عيينة يقول: (حديث الجلد بن أيوب في الحيض حديثٌ محدَثٌ لا أصل له) .
وإنما ذكرتُها هنا لأبيِّنَ الوجهَ الصحيحَ في ضبطها ، فإنَّها كثيرًا ما ترد في كتب المحدِّثين والمؤرخين والشُّرّاح وغيرِهم ، فأحببت ضبطَها لأني رأيت كثيرًا ممن يقرؤها يتلفظ بها هكذا: (المحدِّثين) ، أو هكذا: (المُحْدِثين) ، وذلك بسبب الجهل باللغة ومعانيها .
ثم إن القرائن هي التي تعيِّن ضبْطَ مثلِ هذه الكلمات ، فلا بد من الاستعانة بالقرائن ، فمثلًا إذا قُرِنت بلفظة الفقهاء ، أو عُطفت عليها ، فلا شك أنها تُقرأ حينئذ هكذا (المحدّثين) بتشديد الدال وكسرها ، وأنها إذا قرنت بالقدماء قرئت بتسكين الحاء وفتح الدال ، وأنها إذا أريد بها أهل الابتداع قرئت بتسكين الحاء وكسر الدال .
المحدث هو الراوي المكثر من الرواية والاعتناء بالمرويات ، ويدخل فيه في اصطلاح كثير من الفقهاء وأهل هذه الأعصر علماءُ الحديث ولو كانوا لا يروون شيئًا من الحديث بإسناده (1)
(1) قال السيوطي في (تدريب الراوي) (1/48) : (وقال الشيخ فتح الدين بن سيد الناس:(وأما المحدث في عصرنا فهو من اشتغل بالحديث رواية ودراية وجمع رواة ، واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره ، وتميز في ذلك حتى عرف فيه خطه ، واشتهر فيه ضبطه ؛ فإن توسع في ذلك حتى عرف شيوخه وشيوخ شيوخه طبقة بعد طبقة ، بحيث يكون ما يعرفه من كل طبقة أكثر مما يجهله منها ، فهذا هو الحافظ ، وأما ما يحكى عن بعض المتقدمين من قولهم"كنا لا نعد صاحب حديث من لم يكتب عشرين ألف حديث في الاملاء"فذلك بحسب أزمنتهم ؛ انتهى ) .
وقال الزركشي في (النكت على مقدمة ابن الصلاح) (1/53) :(وسئل الشيخ أبو الفتح بن سيد الناس عن حد المحدث والحافظ فأجاب بأن المحدث في عصرنا هو من اشتغل بالحديث رواية ودراية وكتابةً ، واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره ، وتبصر بذلك حتى حفظه واشتهر فيه ضبطه ؛ فإن انبسط في ذلك وعرف أحوال من تقدم شيوخه وشيوخ شيوخهم طبقة طبقة بحيث تكون السلامة من الوهم في المشهورين غالبة ويكون ما يعلمه من أحوال الرواة كل طبقة أكثر مما يجهله فهذا حافظ ؛ وأما ما نقل عن المتقدمين في ذلك من سعة الحفظ فيمن يسمى حافظًا والدأب في الطلب الذي لا يستحق الطالب أن يطلق عليه محدث إلا به ، كما قال بعضهم:"كنا لا نعد صاحب حديث من لم يكتب عشرين ألف حديث إملاءً"، فذلك بحسب أزمنتهم .
قلت: وذكر ابن السمعاني في"تاريخه"عن أبي نصر الحسين بن عبد الواحد الشيرازي قال: العالم الذي يعرف المتن والإسناد جميعًا والفقيه الذي يعرف المتن ولا يعرف الإسناد ، والحافظ الذي يعرف الإسناد ولا يعرف المتن ، والراوي الذي لا يعرف المتن ولا يعرف الإسناد ؛ ولعل هذا اصطلاح خاص ) ؛ انتهى وليحقق النص فإني نقلته من الحاسوب .