وهذا النوع الثاني جائز ولا يشاحّ فاعله إذا بين مراده بذلك المصطلح؛ وكذلك لا يطلق عليه وصف التساهل، ولكنه يسمى متساهلًا مع التقييد، كأن يقال مثلًا: ابن حبان يتساهل في كلمة (صحيح) فيطلقها على الحديث الحسن كما يطلقها على الحديث الصحيح.
وتشدد النقاد نوعان أيضًا، كالتساهل؛ أول النوعين نقل الراوي من رتبة يستحقها في التعديل إلى ما هو دونها أو في التجريح إلى ما هو أسوأ منها وأشد؛ وكذلك التشدد في نقد الأحاديث؛ وثانيهما مثاله أن يتشدد الناقد في إطلاق لفظة (ثقة) على الثقات فيكون شحيحًا بها على أكثرهم، وإنما يستعمل لوصفهم لفظة (صدوق) ونحوها.
ولكن ليعلم أنه إذا رأينا ناقدًا من النقاد يستعمل لفظة (صدوق) مثلًا في مرات كثيرة في وصف من هو عند التحقيق ثقة، أو في وصف من هو عند التحقيق لا يرتقي إلى رتبة الصدوق، فإن هذا لا يلزم منه أن يكون بمجرده كافيًا لتعيين نوع تساهله أو تشدده؛ بل إنه فوق ذلك (1) يحتمل أن يكون مضطربًا في قواعده في النقد أو في أحواله في التساهل والتشدد والاعتدال، أو أنه متفاوت الأمر في سعة اطلاعه على أحوال الرواة وما قيل فيهم، فيصيب مرة ويجانب الصواب قليلًا أو كثيرًا مرة أخرى؛ والتحقيق أنه لا يصح تعيين أحد هذه الاحتمالات المذكورة إلا بقرينة صحيحة كافية.
ومما ينبغي التنبيه له بعد هذا التقسيم أن معنى تساهل النقاد ينصرف عند الإطلاق إلى النوع الأول من التساهل دون النوع الثاني منه؛ وكذلك يقال في حق التشدد .
انظر (التساهل) ؛ وفيما يلي تنبيه يستدرك على ما تقدم .
تنبيه: من المهم ملاحظة مقاصد العلماء بكلمة (متشدد) فبعض النقاد قد يطلق وصف الراوي أو الناقد بالتشدد وهو لا يريد أكثر من نفي التساهل عنه، فليتنبه لهذا الاحتمال.
(1) أعني فوق احتماله أكثر من نوع من التساهل أو التشدد.