والثاني: التأثر بطريقة المتأخرين من علماء الحديث ، الذين أهمل أكثرهم اعتبار البحث عن العلل الخفية في الأحاديث ، بل حكموا بتصحيح الأحاديث الكثيرة التي أعلها المتقدمون ، من أجل ما أجروا عليه الحكم من مجرد اعتبار النظر إلى ظاهر الإسناد .
واعلم أن"العلة"في المتن توجب طعنًا في الإسناد ، ولا بد ، حتى وإن كان ظاهر الإسناد السلامة من العلل ، فإنه لا بد أن يكون أخطأ فيه راوٍِ ، أو دلس ، والنقاد يبينون ممن يكون الخطأ والوهم ، أو التدليس ، من رواة الإسناد الثقات .
واعلم أنه لم يسلم من الوهم أوثق نقلة الحديث ، من مثل شعبة بن الحجاج ، وسفيان الثوري ، ومالك بن أنس ، وهؤلاء رءوس الحفاظ .
فأحصَيتُ لشعبة في"علل ابن أبي حاتم"الخطأ في تسعة مواضع ، وللثوري في ثلاثة مواضع ، وكانا يعتمدان على حفظ الصدر ، والثوري أحفظ من شعبة ، ولمالك الوهم في اسم بعض رواة الإسناد ، ولا يكاد يذكر له وهم في الكتب إلا بندْرة ، حتى قال في وصفه ابن حجر:"رأس المتقنين ، وكبير المتثبِّتين" (1) ، والعلة (2) أنه كان يعود حفظه إلى طريقي التوثُّق: الصدر والكتاب .
لكن المقصود أن تعلم أنه لم يسلم أحد من الرواة من وهم وإن ندر) ؛ انتهى .
تنبيه: ممن أطلق اسم العلة على معنى لا يسمى علة عند الجمهور: أبو عيسى الترمذيُّ ، سمى النسخَ علة ، قال العراقي في ألفيته وشرحِها (رقم البيت 208) (3) :
-- - 0وَالنَّسْخَ سَمَّى (التِّرْمِذِيُّ) عِلَّهْ
فَإنْ يُرِدْ في عَمَلٍ فَاجْنَحْ لَهْ
أي: وسمَّى الترمذيُّ النسخَ علةً من عللِ الحديثِ .
(1) تقريب التهذيب (الترجمة 6425) .
(2) الظاهر أنه يريد بكلمة العلة هذه السببَ في شدة إتقان الإمام مالك وندرة وهمه فيما يرويه .
(3) طبعة الدكتور ماهر ياسين الفحل .