فهرس الكتاب

الصفحة 1132 من 1631

ولهذا.. فإن اعتبارَ أبي داود أن الفخر في أحاديث كتابه أنها مشاهير، لأنّها كانت أولى ما يجب أن يُدوّنَ ويُجْمع في زمنه، لم يَعُدْ هو الفخر بعد أن دُوّنت تلك المشاهير. بل الفخر هو أن تُدَوّن الغرائب، لتتمَّ خدمة السنة، بضمّ الغرائب إلى المشاهير!

وهذا هو ما يُفسِّرُ ذلك الاهتمام البالغ لدى عموم حفّاظ القرن الرابع بهذا الصنّف من الروايات: الروايات الغرائب، التي هي مع العوالي (1) مادّةُ كتب الفوائد والأمالي التي انتشرت انتشارًا واسعًا في هذا القرن.

بل لقد قامت مؤلّفاتٌ ضخام لجمع تلك الغرائب، مثل: المعجم الأوسط للطبراني (ت 360هـ) ، والغرائب والأفراد للدارقطني (ت 385هـ) ، وهما أكبر كتب الغرائب وأجلّها مطلقًا.

بل حتى من عَمَدَ إلى التأليف على منهج كتب السنن، أي في جمع أحاديث الأحكام، لم يَعْمَد إلى جمع المشاهير كما فعل أبو داود، وإنّما عمد إلى جمع غرائب أحاديث الأحكام، كما فعل الإمام الدارقطني، في كتابه الجليل (السنن) (2) . وكأنه بذلك يُتمّمُ عمل أبي داود، ويؤلف كتابًا في الزوائد عليه (3) .

(1) تحدثتُ عن سبب العناية بالعوالي في هذه المرحلة، في دراستي لكتاب أحاديث الشيوخ الثقات لأبي بكر الأنصاري، في مقدّمة تحقيقه (1/227 - 229) .

(2) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (27/166) ، والسنة النبويّة وبيانُ مدلولها الشرعي والتعريف بحال سنن الدارقطني: لعبدالفتاح أبي غُدّة (25 - 40) .

(3) ولذلك فقد عرف البيهقي عندما أراد أن يُصنّفَ في السنن: ماذا عليه أن يعمل؟ فقد أفرغ هذين الكتابين (سنن أبي داود وسنن الدارقطني) في كتابه، نقلًا مباشرًا غالبًا، وغير مباشر. وانظر الصناعة الحديثيّة في السنن الكبرى للدكتور نجم عبدالرحمن خلف (149، 150، 166 - 167) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت