فهرس الكتاب

الصفحة 1287 من 1631

قال الحاكم أبو عبد الله في كثير بن شنظير - على ما في ترجمته من (تهذيب التهذيب) : (قول ابن معين فيه(ليس بشيء) ، هذا يقوله ابن معين إذا ذُكر له الشيخ من الرواة يقلُّ حديثُه ، ربما قال فيه: ليس بشيء ، يعني لم يُسند من الحديث ما يشتغل به) (1) .

وقال الحاكم في سلم بن زرير كما في (تهذيب التهذيب) (4/130) : (أخرجه محمد [يعني البخاري] في الأصول ، ومسلم في الشواهد، وضعفه يحيى بن معين ، لقلة اشتغاله بالحديث ، وقد حدث بأحاديث مستقيمة ) (2) .

(1) أقول: هذا خلاف الظاهر فلا يقبل إلا بدليل ، ولا دليل ، ومن المعروف أن الرواة المقلين أكثر بكثير جدًا من المكثرين ، وكلمة الحاكم هذه إما أن يكون ذكرها في ترجمة كثير هذا فتبعه في ذلك ابن حجر أو يكون قد ذكرها في ترجمة غيره وابن حجر هو الذي ذكرها في ترجمة كثير . وعلى فرض صحة هذه الدعوى التي قالها الحاكم فالحاكم ملوم في أحد الاحتمالين اللذين ذكرتهما دون الآخر ، وابن حجر ملوم على كلا الاحتمالين ، أما الحاكم فيلام إن كان ذكرها في ترجمة كثير ، لا إن كان ذكرها في ترجمة من لم يرو عنه الا نحو ثلاثة من الرواة نحو ثلاثة من الأحاديث ، وأما ابن حجر فإن كان قد سبقه الحاكم الى ذكرها في ترجمة كثير فهو ملوم لعدم التعقب ، وإلا فأولى كما هو واضح ، فلا وجه لذكرها في ترجمة كثير هذا لأنه ليس من المقلين الذين يتبادر الى الذهن عند سماع مثل كلمة ابن معين - على افتراض أن ما قاله الحاكم صحيح - انها قيلت فيهم بسبب اقلالهم . ومن روى عنه كل هؤلاء الذين ذكرهم المزي ويحتمل أن يوجد معهم غيرهم ففي وصفه بالاقلال نظر ، وكثرة كلام العلماء فيه تقوية وتضعيفًا ان لم تدل على اكثاره فهي دالة قطعًا على عدم اقلاله .

(2) وأما كلمة الحاكم في سلم بن زرير فلا دخل لها بما نحن فيه ، وإنما ذكرتها لأذكر وجهها بحسب ما ظهر لي ولأدفع ما قد يُظن من أنها مؤيدةٌ لمذهب الحاكم وابن القطان في هذه المسألة.

لم يقل الحاكم في سلم أن ابن معين قال فيه (ضعيف) وأنه يريد بذلك قلة اشتغاله بالحديث ، وإنما قال ان ابن معين ضعفه لقلة اشتغاله بالحديث ، ويظهرُ - بقليل من التأمل - أن ذلك ليس مما نحن بصدد الكلام فيه ، لأن موضوعنا هو معنى قول ابن معين (ليس بشيء) ، ليس موضوعنا قاعدة ابن معين في نقد المقلين.

إذا عُلم هذا فإنه يبقى أمر آخر ، وهو أن عبارة الحاكم هذه لا بد من توجيهها التوجيه اللائق بها ، فإنه لمن البعيد المستغرب أن يضعف إمامُ الجرح والتعديل أحدًا من الرواة لمجرد قلة روايته ، ومتى كانت قلةُ الحديث عند العلماء سببًا للطعن في المقلين ؟ ولقد وثق ابن معين وأقرانه وتلامذته وغيرهم من الأئمة مئاتٍ من المقلين .

فلعل الحاكم أراد بقوله هذا أن سلمًا ليس من أهل الرواية الذين يعنون بها ويضبطونها وإنما هو مقل صاحب أوهام وليس بصاحب حديث ولا الحديث من صنعته ، فيضعف لأوهامه فيه لا لمجرد قلة اشتغاله به ؛ ومن المقرر في أصول النقد أن أخطاء المقل تؤثر في حاله ملا يؤثر قدرُها في حال المكثر ، فالمكثر يُحتمل له من الخطأ ما لا يحتمل للمقل.

وبعد هذا بقي أن يقال: إن كان ما ذكره الحاكم في تعليل تضعيف ابن معين لسلم بن زرير قاله من عند نفسه من غير أن يأثرَه عن ابن معين نفسه فإنه يكون حينئذ اجتهادًا من الحاكم أو استنباطًا منه ، فليس بلازم أن يكون مصيبًا فيه ، لاحتمال أن يكون قد بناه على استقراء ناقص ، واحتمال أنه كان مخطئًا في طريقة الاستنباط والاستدلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت