؛ فلا تقبل إلا بدليل متين (1) ؛ ولا سيما إذا كان من ادعاها مثل الحاكم ؛ فإن الحاكم - وإن كان من كبار أهل الحديث - ولكنه لم يكن من أهل الغوص على المعاني الدقيقة المحققين لصغير تفاصيلها وضيِّق فروعها ؛ بل إن له في نقده تسرعًا وأوهامًا غير قليلة وشطحات.
الوجه الثاني: إن هذا الراوي ، أعني كثير بن شنظير - كما ترى - مختلفٌ فيه بين علماء الجرح والتعديل ، فلا يلزمنا القول بأن ابن معين كان له فيه قولٌ واحد ، ولا سيما أن ابن معين له أقوال متعددة في كثير من الرواة ، فليس غريبًا منه أن يكون له قولان في هذا الراوي.
فالقول أن ابن معين اختلف فيه كلامه أولى من تأويل بعض كلامه فيه بما هو خارج عن طريقة الاصطلاح ومخالف لأصل المحدثين في الكلام على الرواة ، ولا سيما أن كلمته الأخرى (صالح) ليست ببعيدة عن التجريح ، بل عدها بعض العلماء من ألفاظ التليين عند الأئمة ، وهو الظاهر ، بل عدها بعضهم إذا قالها ابن أبي حاتم أو أبوه تجريحًا .
وهذا مبني على افتراض أن الحاكم ذكر هذا التفسير في ترجمة كثير بن شنظير ، كصنيع ابن حجر .
الوجه الثالث: إن كثيرًا هذا ليس مقلًا جدًا ، كما مر بك .
وهذا الوجه مبني على ما بنيتُ عليه الوجهَ الثاني (2) .
(1) ولا دليل ؛ فالحاكم لم يذكر مستنده فيما ادعاه ؛ وليس هو من تلامذة ابن معين ، بل بين الرجلين مفاوز.
(2) كلمة الحاكم هذه إما أن يكون ذكرها في ترجمة كثير هذا ، فتبعه في ذلك ابن حجر ، أو يكون قد ذكرها في ترجمة غيره وابن حجر هو الذي ذكرها في ترجمة كثير .
وعلى فرض صحة هذه الدعوى التي قالها الحاكم فالحاكم ملوم في أحد الاحتمالين اللذين ذكرتهما دون الآخر ، وابن حجر ملوم على كلا الاحتمالين .
أما الحاكم فيلام إن كان ذكرها في ترجمة كثير ، لا إن كان ذكرها في ترجمة مقلٍّ، كمن لم يُروَ عنه إلا نحو ثلاثة من الرواة نحو ثلاثة من الأحاديث .
وأما ابن حجر فإن كان قد سبقه الحاكم إلى ذكرها في ترجمة كثير فهو ملوم على إقراره وعدم تعقبه ، وإلا فهو ملوم من باب أولى ، كما هو واضح .
والحاصل أنه لا وجه لذكرها في ترجمة كثير هذا لأنه ليس من المقلين الذين يتبادر إلى الذهن عند سماع مثل كلمة ابن معين - على افتراض أن ما قاله الحاكم صحيح - أنها قيلت فيهم بسبب إقلالهم .
ومن روى عنه كل هؤلاء الذين ذكرهم المزي ويحتمل أن يوجد معهم غيرهم ففي وصفه بالإقلال نظر ؛ ثم إن كثرة كلام العلماء فيه تقوية وتضعيفًا إن لم تدل على إكثاره فهي دالةٌ قطعًا على عدم إقلاله