قال الصنعاني في (توضيح الأفكار) (1/47-48) متعقبًا ابن حجر في كلامه هذا: (قلت: ولا يعزب عنك أن هذا التأويلَ الذي ذكره الحافظ خروج عن محل النزاع ، فإن الدعوى بأن"البخاري"أصح الكتابين ، وهذا التأويل أفاد أنهما مِثلان ، فما أتى التأويل إلا بخلاف المدَّعى ، على أن قول القائل"ما تحت أديم السماء أعلم من فلان"يُفيد عُرفًا أنه أعلمُ الناس مطلقًا وأنه لا يساويه أحد في ذلك ؛ وأما في اللغة فيحتمل توجه النفي إلى الزيادة ، أعني زيادة إنسان عليه في العلم ، لا نفي المساوي له فيه ؛ والحقيقة العرفية مقدمة ، سيما في مقام المدح والمبالغة بقوله"تحت أديم السماء".
ثم رأيت بعد هذا أنه قال البقاعي (1) : الحق أن هذه الصيغة تارة تستعمل على مقتضى أصل اللغة فتنتفي الزيادة فقط ، وتارة على مقتضى ما شاع من العرف فتنتفي المساواة (2) ، فمثل قوله صلى الله عليه وسلم"ما طلعت شمس ولا غربت (3) على أفضل من أبي بكر"وإن كان ظاهره نفي أفضلية الغير لكنه إنما سيق لإثبات أفضلية المذكور ؛ والسر في ذلك أن الغالب في كل اثنين هو التفاضل دون التساوي ، فإذا نفى أفضلية أحدهما ثبتت أفضلية الآخر (4) ؛ انتهى (5) ) .
وقال الذهبي في (التذكرة) (2/598) : (قلت: ولعل أبا علي ما وصل إليه صحيح البخاري) ؛ ولعل هذا هو اختيار العلائي ، فقد قال ابن حجر في (النكت) (1/285) عقب شيء ذكره: (على أني رأيت في كلام الحافظ أبي سعيد العلائي ما يدل على أن أبا علي النيسابوري ما رأى صحيح البخاري ؛ وفي ذلك بُعدٌ عندي) ؛ وابن حجر رحمه الله مصيب في هذا الاستبعاد .
(1) أي في (النكت الوفية على شرح الألفية) .
(2) أي فضلًا عن الزيادة ؛ والمعنى العرفي في كلام الناس مقدم على المعنى اللغوي .
(3) ورد في بعض الكتب زيادة (بعد النبين) هنا .
(4) ونقل كلام البقاعي هذا أيضًا العلامة علي القاري في (شرح النزهة) (ص62) .
(5) يعني كلام البقاعي .