فهرس الكتاب

الصفحة 1397 من 1631

وهنا أنبه: أن المحدثين قد دَلّت أقوالهم وتصرفاتهم أنهم كانوا يفرقون بين ما يضاف من الأخبار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وما يضاف إلى غيره ، مما له علاقة بالدين وما لا علاقة له بالدين ؛ بل لقد بلغ كمال علمهم إلى درجة التفريق بين ما يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعضه عن بعض ، فلأحاديث الأحكام والعقائد منهج فيه اختلاف عن منهج التعامل مع أحاديث الفضائل والرقائق ونحوها ؛ بل أحاديث الأحكام نفسها لهم منهج في التعامل مع الحديث الذي يكون أصلًا في بابه ، والحديث الذي يعتبر من شواهد الباب ؛ ولهم في جميع ذلك إبداعات تخضع لها العقول ، ونفحات إلهام تشهد بأن علمهم علم مؤيد من الباري سبحانه .

فمن عيوب بعض الدراسات التي نَوّهْتُ ببعضها آنفًا أنها كانت بحوثًا من غير المتخصصين في علم الحديث - ولا أقصد بذلك الشهادات والألقاب إنما أقصد الحقائق - فجاءت في بعض الأحيان غير مراعية لتلك الفروق في منهج التعامل التي كان المحدثون يراعونها فخالفوا بذلك منهج الذين أرادوا تطبيق منهجهم ! .

ومن أصرح العبارات التي تدل عل ذلك النهج الحديثي: الباب الذي عقده الخطيب البغدادي في كتابه"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (2/316 - 320) ، بعنوان:"ما لا يفتقر كَتْبُه إلى إسناد"؛ ومما جاء فيه: قولُ الخطيب:

"وأما أخبار الصالحين ، وحكايات الزهاد والمتعبدين ، ومواعظ البلغاء ، وحكم الأدباء: فالأسانيد زينة لها ، وليست شرطًا في تأديتها"؛ ثم أسند الخطيب إلى يوسف الرازي أنه قال:"إسناد الحكمة وُجودُها"؛ وأسند عن ابن المبارك أنه سئل: نجد المواعظ في الكتب ، فننظر فيها ؟ قال: لا بأس ، وإن وَجدتَ على الحائط موعظة فانظر فيها تتَّعِظ . قيل له: فالفقه ؟ قال: لا يستقيم إلا بسماع"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت