قال الحافظ المنذري: يشبه أن يكون التابعي مع تحققه بأن الصحابي رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم شك في الصيغة بعينها فلما لم يمكنه الجزم بما قاله له أتى بلفظ يدل على رفع الحديث (1) .
قلت: وإنما ذكر الصحابي رضي الله عنه كالمثال وإلا فهو جارٍ في حق من بعده ولا فرق ، ويحتمل أن يكونَ مَن صنع ذلك صنعه طلبًا للتخفيف وإيثارًا للاختصار .
ويحتمل أيضًا أن يكون شك في ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجزم بلفظ"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا"، بل كنى عنه تحرزًا ؛ وسيأتي إن شاء الله تعالى في النوع الحادي والعشرين .
وما أجاب به المنذري انتزعه من قول أبي قلابة الجرمي لما روي عن أنس رضي الله عنه قال:"من السنة إذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا".
قال أبو قلابة: لو شئتُ لقلت: أنسًا رضي الله عنه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم" (2) ."
فإن معنى ذلك أنني لو قلت:"رفعه"لكنت صادقًا ، بناء على الرواية بالمعنى لكنه تحرز عن ذلك ، لأن قوله"من السنة"إنما يحكم له بالرفع بطريق نظري ، كما تقدم ، وقوله"رفعه"نص في رفعه ، وليس للرواي أن ينقل ما هو محتمل إلى ما هو نص غير محتمل .
(1) وهذا لفظ الزركشي في (نكته) (1/436) : (ولك أن تقول: ما الحكمة في عدول التابعي عن قوله"عن الصحابي قال ، أو سمعت"إلى ذلك ؟ وقد اشار إلى الجواب الحافظ المنذري فقال: يشبه أن يكون التابعي قد تحقق أن الصحابي رفع له الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم غير أنه شك هل قال له: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلما لم يمكنه الجزم بما قاله له أتى بلفظ يرجِع الحديثَ إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ) .
(2) متفق عليه .