ثالثها: أن يكون قد اختار للتعبير عن صاحب تلك المرتبة لفظة (لا بأس به) أو لفظة (محله الصدق) دون لفظة (صدوق) ؛ وهذا غير صحيح - كسابقيه - لأن قد جمع بين هذه الألفاظ الثلاث في مرتبة واحدة، فهي إن لم تكن متساوية في معناها عنده فإنه لن يكون بينها عنده من الفروق ما يجعلها متباينة في مراتبها، بل لا بد أن تكون على الأقل متقاربة في معانيها مشتركة في مرتبتها وحكمها.
الثاني: أنه يبعد أن يخالف ابن أبي حاتم أباه وأبا زرعة وسائر شيوخه وشيوخهما وجمهور المحدثين في معنى هذه اللفظة الاصطلاحية الشهيرة ، ولا سيما أنه لم يبين ذلك ولا صرح به مع شدة الحاجة إلى البيان والتصريح، إذ أنه - كما هو معروف - جمع كتابًا في الجرح والتعديل عظيمًا أحصى فيه ما وقف عليه من أقوال أئمة الجرح والتعديل في الرواة، وقد تكررت كلمة (صدوق) في عباراتهم مئات المرات وهو في أكثر ذلك مقر لها غير مستدرك عليهم فيها، واستعملها هو أيضًا قولًا له في مرات كثيرة جدًا بطريقة تشعر بأن معناها عنده هو معناها عندهم بعينه.
الثالث: أن ابن أبي حاتم هنا في هذا التقسيم ناقل لمعاني المصطلحات عند المحدثين لا عنده، كما يظهر جليًا من النظر في سياقه ، فإنه قال: (ووجدت الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى ؛ وإذا قيل للواحد: إنه ثقة ؛ وإذا قيل له: إنه صدوق ؛ وإذا أجابوا في الرجل بـ(لين الحديث) فهو ؛ وإذا قالوا ) .
ولم يقل: إذا قلت كذا .
الرابع: أن صاحبي (تحرير التقريب) لم يسبقهما إلى هذا القول الغريب الذي قالاه هنا - فيما أعلم - أحد من علماء الحديث.