فإن بين السبب فقال مثلًا: قاذف ، أو قال المحدث: كذاب ، أو يدعي السماع ممن لم يسمع ، أفليس إذا كان المتكلم فيه راويًا قد لا يكون المتكلم قصد الجرح وإنما هي فلتة لسان عند ثورة غضب أو كلمة قصد بها غير ظاهرها بقرينة الغضب ؟
أوَلم يختلف الناس في بعض الكلمات أقذف هي أم لا ؟ حتى ان فقهاء المذهب الواحد قد يختلفون في بعضها؟!
أوليس قد يستند الجارح إلى شيوع خبر قد يكون أصله كذبةَ فاجرٍ أو قرينة واهية كما في قصة الإفك ؟ وقد يستند المحدث إلى خبرِ واحدٍ يراه ثقةً وهو عند غيره غيرُ ثقة ؟
أوَليس قد يبني المحدث كلمة (كذاب) أو (يضع الحديث) أو (يدعي السماع ممن لم يسمع منه) على اجتهاد يحتمل الخطأ ؟
فإن فصل الجارح القذف أفليس قد يكون القذف لمستحقه ؟
أوليس قد يكون فلتة لسان عند سورة غضب ، كما وقع من محمد بن الزبير أو من أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس على ما رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة (1) ، وكما وقع من أبي حصين عثمان بن عاصم فيما ذكره وكيع وإن كانت الحكاية منقطعة ؟
إذا تدبرت هذا علمت أنه لا يستقيم ما استدل به الخطيب إلا حيث يكون الجرح مبينًا مفسرًا مثبتًا مشروحًا بحيث لا يظهر دفعه إلا بنسبة الجارح إلى تعمد الكذب ، ويظهر أن المعدل لو وقف عليه لما عدل .
فما كان هكذا فلا ريب أن العمل فيه على الجرح وإن كثر المعدلون ، وأما ما دون ذلك فعلى ما تقدم في القضية الأولى) ؛ انتهى كلام المعلمي.
وقد قال بعض الفضلاء: (شاع في ظن كثير من طلبة العلم أن الكلمة إذا كانت شديدة الجرح فهي جرح مفسر ، وإذا كانت خفيفة الجرح فهي جرح مجمل ؛ والأمر ليس كذلك ؛ ففي كل من القسمين عبارات مفسرة وأخرى مجملة .
(1) قال المعلمي في (التنكيل) (1/66) : (وحكى أبو داود الطيالسي قصة لأبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي وحكى هو عن شعبة قصة نحو تلك لمحمد بن الزبير التميمي البصري . وأخشى أن يكون الطيالسي وهم في أحدهما) .