ثم لو افترضنا مساواة الصحابة في الجملة لأصحاب هذه المرتبة الثانية من حيث الضبط أفلا يكفي فضل الصحبة وشرفها لتقديمهم وتمييزهم؟!
ولقد أجاب محمد عوامة في مقدمة تحقيقه"التقريب" (ص24-25) عن اعتراض الصنعاني بجواب آخر فيه نظر، وحاصله أن مرتبة الصحابة ليست من مراتب التعديل عند ابن حجر في (التقريب) ، وأن تلك المراتب إنما تبدأ من المرتبة الثانية، والله أعلم .
هذا واعلم أن التغاير في مرتبة التوثيق بين الصحابة وغيرهم ليس له في باب نقد الروايات ثمرة عملية إلا في دائرة ضيقة جدًا، ذاك أن الخلاف في الرواية بين صاحب وتابعي لا يُتصور وقوعه إلا بين حديث مسند وآخر مرسل ، ومن المعلوم أنه في مثل هذه الحالة يُقدم الحديث المسند ولا يُلتفت إلى المرسل، ولو شهدت له مراسيل كثيرة ، أو بين حديث يرويه تابعي عن صحابي يقفه أو يرفعه ، وحديث آخر يرويه صحابي عن صحابي الحديث الأول به.
ثم إنَّ نصْبَ مثلِ هذا الخلاف مشروط بصحة السند إلى من يُنصب الخلاف بينهما من صحابي وتابعي ، وأن لا يحتمل أن الاضطراب وقع ممن دونهما في السندين؛ والله أعلم (1) .
(1) تنبيه: وافق مؤلفا (تحرير التقريب) الحافظ ابن حجر على إثبات الصحبة لمن أثبتها لهم في (التقريب) إلا في بضعة تراجم خالفاه فيها فنفيا الصحبة عن المترجَمين ، أو قالا ان في الصحبة نظرًا ؛ وأما الذين تردد ابن حجر في صحبتهم أو قال انها مختلف فيها أو ذكرها بصيغة التمريض فإن الغالب عليهما في هذا كله هو المخالفة له ونفي الصحبة عن هؤلاء ، واحتجا للنفي بحجج قوية مثل كون الحديث ضعيف السند أو ساقطه ولا تثبت بمثله صحبة ، ومثل كثرة من نفى الصحبة من العلماء المحققين ، وكان الحق معهما في أكثر ذلك.