فهرس الكتاب

الصفحة 1029 من 2579

عن معتقدِهم، فكذَّبهم في دعواهم أنَّهم يُصَدِّقونه فيما جاءَ به، لأنَّ معنى قولِهم: نشهدُ، أي نعلمُ ونتحققُ إنَّكَ لرسولُ الله، فكذَّبَهم الله في قولِهم، لا في اعتقادِهم، لأنَّ قولَهم لما تضمنَ الإخبارَ عمَّا في نفوسِهم من التصديقِ كذبَهم الله في ذلك.

وأمَّا قولُ الشاعرِ: إنَّ الكلامَ مِن الفؤادِ، فصِدْقٌ، وإنَّه لا يتكلمُ مُتَكَلِّمٌ إلا بعدَ أن يُصَوِّرَ في نفسِه شيئًا يتكلمُ عنه، وانما كان حجةً أنْ لو قالَ: إن الكلامَ في الفؤادِ، ولم يقُلْ، ولو قالَ لكانَ مجازًا، مثل قولِ قائلهم: في نفسي بناءُ دارٍ، ونجارةُ بابٍ، وإدارةُ دولابٍ، وإنما يريدُ به في نفسي أن أبنيَ دارًا، كذلك يكونُ قولُه: في نفسي كلامٌ، وإنَّ الكلامَ من الفؤادِ، تقديرُه: في نفسي أنّ أتكَلمَ، وهي القصودُ والعزومُ، وتصديرُ ما يُرادُ أن يظهرَ مِنَ الأعراضِ النَّفْسانية بالكلامِ، وقد أضافوا النُّطقَ إلى العينِ، فقال شاعرُهم:

تُخبرُني العَيْنَان مَا القلبُ كاتمٌ ... ولا خيرَ في الشَّحناءِ والنَّظَرِ الشَّزْرِ [1]

وقالَ الآخرُ:

فقالتْ له العينانِ: سمعًا وطَاعَةً [2] .

ويقولونَ: في وجهِ فلانٍ كلامٌ. أي في وجههِ أمارةٌ أنَّه سيتكلمُ.

ومِن ذلك إضافتُهُم القتل إلى القَلَم، فقولُ القائل: ما قتلتُ فلانًا إلا بقلمٍ، حيثُ كانَ الكتابُ عاملًا ومُهيئًا لأسباب أوجبتِ القتلَ،

(1) البيت لأبي جندب الهذلي، انظر"شرح أشعار الهذليين"1/ 367.

(2) البيت في"اللسان": (قول) دون نسبة، وتمامه:"وحدّرتا كالدرِّ لما يُثقب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت