فلما عقلوا [1] بالإثبات، جاءَ بنفي التشبيهِ، ولو بادأهمْ بالنَّفى، لأُحيلَ الإثباتُ، ثمَّ جاءتِ الأخبار والآثارُ بما يطابقُ القرآنَ، وكانَ القومُ أهلَ معاريضَ ورموزٍ واستعاراتٍ وتحاذيفَ [2] ومقاديرَ، فإذا قالَ:"الحجرُ الأسودُ يمينُ الله" [3] ، علموا أنَّه أرادَ: جعلَهُ كيمينِ المصافح، فإذا قال:"الريحُ نَفَسُ الرحمن" [4] ، علموا أنَّه أرادَ: تَفعل ما يفعلُ النفسُ مِنْ تنفيسِ الكُربِ، وترويح دواخل الأجسام، وبواطنِ الحيوان، وإذا قال:"اشدُدْ وَطْأتَكَ على مضر" [5] ، و"آخر وطأةٍ وطئها الله بوَج" [6] ، علموا أنَّهُ أرادَ: العذابَ، لا الدوسَ بجارحة الرِّجل، وعلى هذا فما أغنانا مع هذهِ الطريقةِ عَنْ ردِّ آثارٍ رواها الثقاث الأَثْباتُ الذينَ بنيْنا على رواياتِهم إراقةَ الدماءِ المحقونةِ، واستباحةَ الفروج المعصومةِ.
فصل
في شبههم
قالوا: إن الاستلانةَ والمساهلةَ في سماع هذه الأحاديثِ وقَبولِها فيهِ منَ
(1) في الأصل:"عيعوا".
(2) في الأصل:"وتحاويف".
(3) أخرجه الخطيب في"تاريخه"6/ 328 من حديث جابر.
(4) أخرجه عبد بن حميد من حديث أبي الدرداء كما في"المطالب العالية" (3373) ، ولفظه:"الريح نفس الله".
(5) أخر جه أحمد (7260) ، والبخاري (6200) ، ومسلمِ (675) (294) ، والنسائي 2/ 201، وابن ماجه (1244) من حديث أبي هريرة مطولاَ.
(6) أخرجه أحمد 4/ 172 من حديث يعلى العامري، و 6/ 409 من حديث خولة بنت حكم. و"وجُّ": اسمُ وادٍ بالطائف لا بلد به."القاموس": (وجّ) .