فهرس الكتاب

الصفحة 1633 من 2579

كما تميزت كلُّ أمةٍ من الأممِ بصناعةٍ، فالرومُ بالنِّساجة، والفرسُ بالأبنية وعمارة الأَرض، والهندُ بالتطبيب والتركُ بالهراش [1] ، والزنوجُ بالكَدِّ وأعمالِ الأبدانِ، وحملِ الأثقال، فلا ينبغي أن يُدخلَ على وضعِهم، ولا يُنسبَ إليهم فيما خُصّوا به [من] [2] الكلام ما يُستهجنُ ويُستقبح، ولا أهجنَ وأقبحَ من قولِ القائل: دخلَ الناسُ إلا الحميرَ، وخرج الناسُ إلا الكلابَ، فلا وجهَ لإضافتِه إلى لغةِ القوم، لا سيّما وَضعًا وحقيقةً، لاتوسعًا ولا تجوّزًا.

يوضِّح هذا: أن ما أفادَه السكوتُ لا ينبغي أن يصرَّحَ به، فإنَّه لو قالَ: جاءني الناسُ، وجاءني بنو تميم، لعُلمَ بذلكَ تَوحدُهم عن بني تميمٍ من العرب، فضلًا عن الحمير، فإذا قال: إلا الحمير فما تلفَّظ إلا بما كان [3] يحملُه السكوتُ.

فصل

في شبههم

فمنها: أن قالوا: إنَّ الاستثناءَ من غيرِ جنسِ المستثنى منه لغةُ العرب، يشهدُ لذلك القرآن، وأشعارُ العرب، وما سُمِعَ في منثورِ كلامِها، قالَ اللَّهُ تعالى: {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [الأعراف: 11] وقد نطقَ القراَنُ بأنَّهُ مِنْ جنس آخرَ ليس مِنْ جنسِ الملائكةِ، فقال في آية اَخرى: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] وقال: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ} [الأعراف: 12] ، والملائكة ليستْ من نارٍ، بل هي حرّةُ الأصلِ، مخلوقةٌ من الأنوارِ [4] أو

(1) الهِراش: هو المقاتلةُ والمواثَبة. انظر"اللسان": (هرش) .

(2) زيادة يقتضيها السياق.

(3) العبارة في الأصل:"ما تلفظ لا يعمل إلاّ ما كان"، ولعل المثبت هو الصواب.

(4) الثابت في الحديث أن الملائكة خلقت من نور، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"خُلقت الملائكة من نور وخُلق الجان من مارج من ناؤ وخُلق آدم مما وُصِفَ لكم". أخرجه مسلم (2996) ، وأحمد 6/ 153، والبيهقي 9/ 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت