رتبتهُ من الثواب بحسَبه، نطَقَ بذلك الكتاب الكريم في حقِّ طاعةِ نساءِ النبِّي صلى الله عليهَ ومعصيتهِن المقدَّرة، وما من قربة يضاعف عقاب تركِها، إلّا تَضَاعَفَ ثواب فعلها، فلا وجهَ لجعلِ الثواب تَبَعًا، فإنَّ كلَ واحد منهما محثوث به، والأصل في الإيجاب انحتام الاَستدعاءِ، على أن حصول الثوابِ نوعُ ترغيب على وجه الحثِّ، فكيف يكون استدعاءً، على وجه الخبرِ ولا يكون أمرًا؟ وإنّما العقابُ بالتركِ زائد على الخبر بزيادةِ ردعٍ.
فصل
يجمعُ شُبَهَ المخالفين مما تعلقوا به في أنَّ المندوبَ ليس بمأمور به.
قولُ النبى صلى الله عليه وسلم:"لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك" (1) ، وقد نُدِبَ، فدَلَّ على أنه ليس بآمرٍ بكونه نادبًا.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم لبريرة:"لو راجعتيه، فإنه أبو ولدك"، فقالت: بأمْرٍ منك يا رسول الله؟، فقال:"لا، إنما أنا شفيع [1] ، فَنَفَى الأمرَ، وأثْبَتَ الشفاعةَ، والشفاعةُ نَدْب، فدلّ على أنها ليست أمرًا."
قالوا: ولأنّه لو كان المندوبُ مأمورًا، لحسُنَ أن يسمّى التاركُ له عاصيًا، كالوجوبِ لمّا كان أمرًا يُسمى مخالفهُ عاصيًا. وأجمعَ الناسُ على أنّه لا يُطلق على من تركَ المندوباتِ أنه خَالفَ أمرَ الله.
قالوا: ومن خصائص المجازِ حُسْن نفيهِ. وقد أجمعوا على أنه يَحسن أن يقولَ: إن الله ما أمَرَني بأنْ أصلّي الضُحى، ولا أمَرَني بأن
(1) سبق تخريجه في الصفحة: 494.