فَصْلٌ
في الاستدلالِ بغيْرِ السَّمْعِ
فمن ذلكَ: أنَّه إذا فعلَ ذلكَ، لم نأمن أنْ يكونَ واجبًا، فإذا أخللنا باتباعِه، كانَ وبالًا علينا بإيجاب العقوبةِ، واتباعُه احترازٌ واحتياطٌ، والتَّحرُّزُ من المضارِّ واجبٌ [1] ، فكيفَ الَّتحرزُ من عقابِ الله؟ ولذلك وجَبَ فعلُ خمس صلواتٍ على مَن نسيَ صلاةً من يوم، وصومُ ثلاثين [2] يومًا احتياطًا للصوم، وحرَّمنا جميعَ زوجاتِ من طلَّقَ واحدةً منهنَّ وأُنسيها، فالاحتياطُ أصلٌ من أصولِ الشريعة مرعيٌّ عندَ العلماءِ.
فإنْ قيلَ: لسنا ننكرُ الاحتياطَ لما وجبَ لئلا، يُخَلَّ به، فأمَّا الاحتياطُ لما عساه يكونُ واجبًا، أو غيرَ واجب، فكلا [3] ، وها هنا ما وجبَ شيءٌ، لكنَّنا نجوِّزُ أنْ يكونَ واجبًا، والتًجويزُ لا يكونُ موجِبًا.
ولأنَّه لا يجوزُ الاحتياطُ باعتقادٍ، بل غاية ما يقعُ الاحتياطُ بالأفعالِ؛ لأنَّ الاعتقاداتِ كيفَ حصلت؛ لإسقاطِ وجوبٍ، أو [4] إثباتِ وجوب، على حدٍّ سواء، فإن اعتقد وجوبَ ما ليسَ بواجب، كفرَ، وإن اعتقدَ نفيَ وجوبِ الواجبِ كفَرَ، فلا يتحقَّقُ التحرز والاحتياطُ في الاعتقادِ، وقد يكونُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَه نافلةً، فيعتقدُ
(1) في الأصل:"واجبه".
(2) في الأصل:"وصوم أحد وثلاثين"، وهو خطأ.
(3) في الأصل:"فضلا".
(4) في الأصل:"و".