فصل
في الِإشارة إلى الدَّلالةِ بحَسَب الكتابِ، ولولا أنه ليس بموضِعِه لأطَلْتُ، لكنْ نذكرُ ما يليقُ بهذا اَلكتابِ، فنقول- وبالله التوفيقُ-:
إنه لا يخلو أنَّ دعواكم حُسْنَ الحَسَنِ وقُبْحَ القبيحِ بالعقلِ معنىً علمتموه ضرورة من جهة العقلِ، أو بالاستدلال.
فلا تجوز دعوى الضَّرورةِ، لأننا وكثيرًا [1] من العقلاءِ مخالفون في ذلك، وقائلون بأنَّا لا نعلمُ شيئًا من ذلك إلا بالسَّمْعِ، ولو جازَ أن يختلفَ العقلاءُ فيما هو معلومٌ ضرورةً، لاختلفوا في حُسْنِ العَدْلِ، وشُكْرِ المُنْعِمِ، فقال بعضُهم: إنه قبيحٌ، وحَسَّنَه بعضُهم، فلمَّا لم يختلفوا في حُسْنِ العدلِ وقبحِ الظُلمِ، ولم يَجْرِ وقوعُ الخلافِ في ذلك، ووقعَ الخلافُ في طريقِ التَحسينِ، فقال قومٌ: هو السمعُ، وقال قومٌ: هو العقلُ، بطَلَ دعوى العلمِ بذلك من جهةِ الضَّرورةِ.
فإن قيل: الخلافُ قد يقعُ عنادًا كما عانَدَتِ السوفسطَائيةُ [2] في جَحْدِ الحقائقِ، ودَرْكِ الحواسِّ.
قيل: فهذا أمرٌ لا يَخْتَصُّنا، ولَئِنْ جازَ مثلُ ذلك في حقِّنا وانَّا نعاندُ
(1) في الأصل:"وكثير".
(2) السفْسَطَةُ: قياس مركَبٌ من الوَهْميات، والغرض منه تغليط الخصم وإسكاته، كقولنا: الجوهر موجود في الذهن، وكل موجودٍ في الذهن قائمٍ بالذهن عَرَضٌ، لينتج أن الجوهرَ عرضٌ."التعريفات"للجرجاني ص 118 - 119، وانظر تفصيل الكلام على السفسطائية في"الفصل"لابن حزم 1/ 8، و"مجموع الفتاوي"لابن تيمية 19/ 135.