فصل [1]
الأمرُ بالشيء ليسَ بِنَهى عن ضدِّه من طريقِ اللفظِ [2] خلافًا للأشعرية [3] .
وذكرَ أبو بكر الباقِلاني [4] : أنَ ذلكَ في الأمرِ من كلام اللهِ تعالى خاصةً بما قرروه من أصلهم، وأنَ كلام اللهِ شيءٌ واحد، ليسَ بأشياءَ متغايرة، وليس ذلكَ في كلامِ الآدميين؛ لأنه متغايرٌ في النفسِ، كما يتغايرُ عندَ من أثبته صيغًا في النطق.
فصل
في الدلالةِ على ذلك
إن الأمر استدعاءُ الفعل، والنهيَ استدعاءُ الترك، وكما لا يجتمعان في الصيغةِ التي هي حكايةٌ عند المخالف، لا يكونُ المحكيُّ أمرًا ناهيًا، ولا في محل إلي محل، كالكراهةِ والإرادة، ولأنَ العرب -وهي الأصل في هذا- وضعت الأمرَ استدعاءً للفعل وحثًا عليه، والنهيَ للكف عنه والإبعادِ منه، وإذا فَصَلَتْ بين الأمرينِ لم يُلتفت إلى مخالفِها بما يضعه من مذهب، وصار كالخبرِ بالإثبات مع الإخبارِ بالنفي لمّاَ وضعت له صيغتان تدلُّ على معنيين مختلفين، لم يكن قولها: زيدٌ في الدار, ليس هو قولها: ليس زيدٌ في السوق، لكن نعلمُ ذلك من طريق الاستدلالِ، وأنَ الجسم لا يكونُ في مكانين، فأما من طريق اللفظ، فلا.
(1) من هنا بداية الجزءالثاني من الأصل الخطي.
(2) مقصودُه أن الأمرَ بالشيءِ نهيٌ عن ضده من طريق المعنى لا اللفظ، وهذا مذهبُ الحنابلة كما ذكر ابن تيمية الجذُ في"المسؤَدة"ص 49، وانظر تفصيل المسألة في"شرح مختصر الروضة"2/ 380، و"التمهيد"1/ 329، و"العدة"2/ 368.
(3) انظر"البرهان"1/ 250، و"العدة"2/ 370.
(4) ذكر قول الباقلاني هذا إمام الحرمين في"البرهان"1/ 250.