وكذلك جميع ما جُعل شرطًا لعبادة من الأمكنةِ والأزمنة كمكان الاعتكافِ وهو المسجدُ، ومناسكُ الحج، وأوقاتً العباداتِ وأوصافً المكلفين، فلذلكَ لم يجب كونً شروطِ العباداتِ ماخوذةً من الشروطِ العقلية. فاعلم ذلكَ واجتنب التعويلَ على أخذِ إيجاب الدوامِ للشروطِ الشرعيةِ، من إيجابِ ذلك في الشروط العقلية.
فصل
في الأمر إذا تكررتْ صيغته، هل يقتضي تكرارَ المستَدعى وهو المأمور به، أم لا يقتضي التكرار؟
لم أجد عن صاحِبنا ولا أصحابهِ فيه شيئًا، ويقتضي مذهبهم التكرارَ من حيث إنه يقتضي بالصيغة الواحدة، فالتكرار أولى [1] .
وعندي أنه يقفُ على بيانِ المستدعي، فإن أرادَ به التأكيدَ والتفهيمَ، لم يقتضِ التكرارَ، وإن قصدَ الاستئنافَ اقتضى التكرارَ، وإن أطلق ولم ينوِ شيئًا اقتضى التكرارَ، وأخذتُه من تكرارِ لفظِ المطلِّقِ للطلاقِ. وفيه اختلاف بين العلماء على عدة مذاهب:
(1) وهو ما صرَّح به القاضي أبو يعلى في"العدة"1/ 279، حيث قال:"لأنَ عندنا الأمرُ الأول اقتضى التكرار، والثاني لم يفد غير ما أفاد الأول".
وخالف في ذلك أبو الخطاب حيث صرح بأن تكرار الأمرِ بشيءٍ واحد مثل قوله: صل غدًا ركعتين، صلً غدًا ركعتين، لا يقتضي تكرار المأمور به. انظر"التمهيد"1/ 210.
وسببُ مخالفة أبي الخطاب لجمهور الحنابلة في هذه المسألة: أنه يقولُ بأن الأمرَ المطلق لا يقتضي التكرار ابتداءً، فكان قوله هنا ناشئًا عن قوله هناك.
وانظر"المسوَّدة"ص (210) .