ومنها: أن ما ذَهَبْتُم إليه يُفضي إلى الإضْرارِ والتضليلِ في تنزيل [1] الآيات، إذ لا حُكْمَ فيها يوجبُ عملًا ولا تركًا، وظاهرُها يوهمُ التشبيهَ، والقرآنُ إنما نزل لبيانِ الأحكامِ، وإيضاحِ ما يهدي إلى الحقِّ من معالمِ الإيمانِ، وإذا لم يَجُزْ ذلك لما ذكرنا، لم يبقَ إلا أنَّ المحكمَ ما ثبتَ حكمُه، والمتشابهَ ما نُسِخَ حكمُه.
فصل
في الأجوبة
أمَّا قولُهم: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} ، فهو عمومٌ نَخُصه على ما بيَّنَهُ بالتفسير، وليس هذا أوَّلَ عمومٍ خُصَّ، قال سبحانَه: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: 25] ، وأبانَ بأدلة التخصيص من الكتابِ تارةً، ومن دليل العقل أخرى، أنه أرادَ بعضَ الأشياء، وهو الآيُ المتضمِّن للأحكامِ فعلًا وتركًا، فأمَّا مالا يوجبُ عملًا ولا تركًا، فلا.
وأمَّا قولُكم: مع كونِه داخلًا تَحْتَ التكليف، فلعمري لكن تكليفَنا في المتشابه لا يحتاجُ إلى البيانِ، لأنَّهُ لم يُكَلًّفْنا علمَه ولا العملَ به، لكن كلَّفناَ الإيمانَ به، والتسليمَ لما تحتَه من المعنى، ورد الأمرِ إلى عالمِه، كما كلَّفنا الإيمانَ بالبعثِ ولم يُطْلعنا على وقتِه، والروح خلقَها [2] وكَتَمَناها، حتى قالَ: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) } [الإسراء: 85] ، وكذلك الحروفُ التي في
(1) في الأصل:"تنزال".
(2) في الأصل"خلقه".