هذه الأقسام إن ابتدَأ بها كانت على مقتضاها في الوضعِ، وان تَلَفظَ بها شافعةً لما قدمه عليها من الحظرِ كانت على مقتضاها من أصلِ الوضعِ، فما كانَ منها خبرًا قبلَ الحظرِ، كان خبرًا بعدَ الحظرِ، وما كان تعجبًا أو نداءً، كان كذلكَ قبلَ الحظرِ وبَعْده، كذلك صيغةُ الأمرِ ولا فرق.
ومن ذلك قولهم: لو كانَ تقدمُ النهي يقتضي تغييرَهُ عن الإيجابِ إلى الإِباحةِ، وجَبَ أنْ يكونَ السامعُ لصيغةِ افعَلْ من الأعلى للأدنى، لا يحكمُ بأنها أمر حتى يسألَ هل تقدمها حظر أم لا؟
فصل
يجمعُ الأجوبةَ عما ذكروه
أما الَاياتُ، فإنها محمولة على ما ثَبَتَ أنه أمرُهُ، وعندنا أن هذا ليس بامرٍ، إنما هو إباحة واذن، بدليلِ ما ذكرنا، ولأنّه قارنَه الوعيدُ، فَدَل على الوجوبِ بقرينتهِ لا بمجرّدِ صيغتهِ.
وأما إذا قال: أوجبتُ بعد قولهِ: حرمتُ، فإن صيغةَ الايجابِ صريحة في الإيجاب، فجازَ أن لا يؤثرَ بشيءٍ يُغَيِّرُ حكمها، تقَدُّمُ صيغةِ الحظرِ عليها، لأنها لا تصلحُ للإطلاقِ والإذنِ، وانما هي الغاية في الاستدعاءِ والانحتام، ولو أراد الإذنَ لما أتى بصيغةِ الإيجاب، ألا ترى أنه لو استأذنه اَلعبدُ في الدخولِ، فقال له: أوجبتُ عليكَ الدخولَ، لم يُعد إذنًا، واذا قال له عقيبَ الاستئذانِ: ادخل، كان إذنًا.
وأما قولهم: إن النهيَ بعد الأمرِ يقتضي ما اقتضاه في الأصلِ، كذلك الأمرُ بعد الحظرِ، فلا نسلمهُ، بل يقتضي الإسقاطَ لما أوجبه