فصل
في الباء
وهي عند أصحابنا للإلصاق [1] ، فإذا قلتَ: مررتُ بزيدٍ، وكتبتُ بالقلم، ومسحتُ برأسي [فإن الباء تُلصق المرور بزيدٍ، والكتابةَ بالقلم، والمسحَ بالرأس] [2] .
ولا تدخل للتبعيضِ، ولذلكَ يقولُ القائلُ: استعنتُ بالله، وتزوَّجت بامرأةٍ. ولا يُراد به
البعضُ. وكذلكَ قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم:"لا نكاحَ إلا بوليٍّ وشهودٍ" [3] . وقال أصحابُ
الشافعي في أحدِ الوجهين: إذا دخَلَت على فعلٍ متعدٍّ يتعدّى بغيرِ الباءِ إقتضت التبعيضَ [4] ، وذلك مثلُ قوله: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] .
(1) الباءُ في أصل وضعها تفيدُ الإلصاق، إلا أنها قد ترد لمعنى آخر بقرينة؛ فمن معانيها: التعدية: كقوله تعالى: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] .
الاستعانة: كقوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45] .
السببية: نحو قوله تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} [العنكبوت: 40] .
المصاحبة: نحو قوله تعالى: {قد جاءكم الرسولُ بالحق} [النساء: 170] ، أي مع الحق.
انظر"القواعد والفوائد الأصولية": 140 - 143،"التمهيد"لأبي الخطاب 1/ 112،"العدة"1/ 200،"الكتاب"لسيبويه 4/ 217.
(2) ما بين الحاصرتين ليس في الأصل، واستدركناه من"العدة"1/ 200 - 201.
(3) أخرجه الدارقطني 3/ 220، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
وأخرجه بلفظ:"لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"، البيهقي في"السنن"7/ 124، وابن حبان (4075) ، وابن حزم في"المحلى"9/ 465 من حديث عائشة رضي الله عنها.
وأخرجه الدارقطني 3/ 221 - 222 من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وفي الباب من حديث جابر وأبي هريرة رضي الله عنهما.
(4) هذا الوجهُ هو ما نصره واختاره الرازي في"المحصول"، والبيضاوي في"المنهاج"جاء في المحصول: "الباءُ إذا دخلت على فعل يتعدى بنفسه كقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} تقتضي التبعيض، وأجمعنا على أنها إذا دخلت على فعل لا يتعدى بنفسه كقولك: كتبتُ بالقلم، ومررت بزيد، فمنها لا تقتضي إلا مجردَ الإلصاق،"المحصول"1/ 379. وانظر "البرهان"للجويني 1/ 180، و"البحر المحيط"2/ 267."