الوصيَّةِ بالإجماعِ، ودليلُ الإجماعِ أنَّ الدَّين حق هو مرتَهنٌ به، والوصيَّة تبرُّعٌ.
وأما احتجاجُ المهاجرين على الأنصار بتقديمِ ذكرِهم في كتابِ الله حيثُ قال: {وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} [التوبة: 117] .
فلعمري إنها مَزيّة وحجّة في البداية بذكرهم، لكن ما أراد به الترتيبَ، بدليل أنه قد رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال يوم بُنيان المسجد وهو يحمل اللّبن:
"لاعيشَ إلاعيشُ الآخرة ... فاغفر للأنصارِ والمهاجرة" [1]
ولو عُقِلَ منها الترتيب، لما خالفَ ترتيب القرآن.
وأما قولُهم: إنه يسبقُ إلى فهم كل سامعٍ تبجيلُ من يسبق بذكر اسمه أولًا.
فلعمري إنه أرادَ وقصدَ تعظيمَ شأن البادىء بذكره، فهو كما قالوا، غيرَ أنه لا يعطي الترتيبَ، بدليلِ أنه لو قال: قد أنفذتُ بصاحبيِّ زيد وعمرو. وعمرو مقدّم عليه أو قبلَه، جازَ ولم يعد مناقضًا، ولو قال: بعثتُ إليكَ بزيدِ فعمرو ثمَ عمرًا قبلَه.
عُدّ مناقضًا.
وأما قولهم: إن [المعنى] [2] نتيجة الَّلفظ، فالمعنى الذي هو نتيجةُ الَّلفظِ: فعلُ واحدٍ بعدَ واحدٍ، وهذا هوَ الترتيبُ.
فيقالُ: المعنى مفارقٌ اللفظَ؛ فإنه إذا قَدَم ذِكرَ أحدِهما، وعَطفَ عليه الآخَر ثم قال: مَعًا. صحَّ القولُ وجاز وإن لم يكن ذلكَ مُتحقِّقًا في المعنى، بحيث تقعُ الفعلانِ معًا.
(1) أخرجه بهذا اللفظ ابن سعد في"الطبقات"1/ 239 - 240، وأخرجه البخاري (9306) ، وعبد الرزاق (9743) بلفظ:
"اللهم إن الأجر أجر الآخرة ... فارحم الأنصاروالمهاجرة"
(2) زيادة يقتضيها السياق.