الصدقِ بظاهِر الوضعِ، وإنْ جازَ عليه الكذبُ بعارضٍ وقرينةٍ تقترنُ بالمُخْبِرِ، ولا يمنعُ احتمالُ الكذبِ فيه مِنْ أَنْ يكون مُطْلقه يقتضي الصدقَ.
وفي الجملةِ، لا يُحْملُ على أقل أحوالِه وهو الكذبُ أو الشكُّ، بل يُحملُ على أعلى أحوالِه، وهو الصدقُ بطريقِ الظن.
وأمَّا قولُهم: إن النهيَ يقتضي كراهيةَ المنهي عنهُ، وكل مكروهٍ قبيحٌ. فلا يصحُّ الأمران جميعًا؛ ولأن النهيَ لا يقتضي الكراهةَ ولا القُبحَ، بل القبحُ والكراهةُ أَعْلى أحوالِه، وله حالٌ أدنى، وهي الكراهةُ على وجهِ التنزيهِ أَوْ الأَوْلى، كَنَهْيِهِ عن القِران بين تمرتين [1] ، ونهيه عن العَبَثِ بالحَصَا، أو تقليبِ الحَصَا [2] ، والالتفاتِ في الصلاةِ [3] وإلى
(1) سلف تخريجه في الصفحة 474
(2) يشير إلى ما ورد من حديث أبي هريرة في الجمعة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأَنصت غُفِرَ له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مَس الحصى فقد لغا"مسلم (857) (26) . وما ورد من حديث علي بن عبد الرحمن المعاوي، قال: صليت إلى جنب ابن عمر، فقلبت الحصى، فقال: لا تقلِّب الحصى، فإنه من الشيطان ... أخرجه أحمد (4575) ، ومسلم (580) (116) ، والنسائي 3/ 37.
(3) يشيرُ في ذلك إلى ما ورد من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الالتفات في الصلاة، فقال:"إنما هو اختلاس يختلسه الشيطانُ من صلاة العبد"
أخرجه: أحمد 6/ 106، والبخاري (751) و (3291) ، وأبو داود (910) ، والترمذي (590) والنسائي: 3/ 8، وابن حبان (2287)